حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥٧ - الشاة
و يطمع فيما لا يناله. يا بني احذر الحسد، فإنه يفسد الدين، و يضعف النفس، و يعقب الندم. يا بني إذا خدمت واليا فلا تنم إليه بأحد، فإنه لا يزيده ذلك منك إلا نفورا، فإنه إذا سمع منك في غيرك فإنه لا بد أن يسمع من غيرك فيك، و يكون قلبه خائفا منك أن تنم عليه كما نميت إليه بغيره، و لا يزال محترسا منك. و كن يا بني أقرب الناس إليه عند فرحه، و أبعدهم منه عند غضبه، و إن ائتمنك فلا تخنه، و إن أنالك يسيرا، فخذه و اقبله فتبلغ به أن تنال كثيرا. و أكرم خدمه و الطف بأصحابه، و غض طرفك عن محارمه، و أصم أذنك عن مجاوبته، و أقصر لسانك عن حديثه و اكتم في المجالس سره، و اتبع باللطف هواه، و ناصح في خدمته، و اجمع عقلك في مخاطبته، و لا تأمن الدهر من غضبه، فإنه ليس بينك و بينه نسب. و الغضب يسرع إليه في كل وقت، و وثبته كوثبة الأسد. يا بني كتمان السر صيانة للعرض. يا بني إن ردت أن تقوى على الحكمة فلا تملك نفسك للنساء، فإن المرأة حرب ليس فيها صلح، و هي إن أحبتك أكلتك، و إن أبغضتك أهلتك.
و في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري، و رحلة ابن الصلاح، التي بخطه، قال الحسن البصري [١] : لو وجدت رغيفا من حلال، لأحرقته ثم دققته ثم داويت به المرضى. ثم قال:
اختلطت غنم البادية بغنم أهل الكوفة. فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة؟قالوا: سبع سنين، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين. و أنشد المبرد:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة # إلا عصاه الحياء و الكرم
فلا إلى حرمة مددت يدي # و لا مشت بي لريبة قدم
و في تاريخ ابن خلكان، أن هشام بن عبد الملك بعث إلى الأعمش [٢] ، أن اكتب إلي بمناقب عثمان و مساوي علي رضي اللّه تعالى عنهما، فأخذ الأعمش القرطاس و أدخله في فم شاة، فلاكته و قال للرسول: قل له هذا جوابه. فذهب الرسول ثم عاد، و قال: إنه آلى أن يقتلني إن لم آته بالجواب، و تحيل عليه بإخوته، فقالوا له: افده من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب: أما بعد فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض، ما نفعتك، و لو كان لعلي مساوي أهل الأرض، ما ضرتك، فعليك بخصوصية نفسك و السلام.
و الأعمش اسمه سليمان بن مهران من أعلام التابعين، رأى أنس بن مالك و أبا بكرة الثقفي و أخذ بركابه فقال له: يا بني، إنما أكرمت ربك. و كان لطيف الخلق مزاحا و لم تفته التكبيرة الأولى سبعين سنة، و له نوادر، منها أنه كان له زوجة و كانت من أجمل نساء الكوفة، فجرى بينهما كلام، و كان الأعمش قبيح المنظر، فجاءه رجل يقال له أبو البلاد يطلب الحديث منه، فقال له:
إن امرأتي نشزت عليّ، فادخل عليها و أخبرها بمكاني من الناس، فدخل عليها و قال: إن اللّه تبارك
[١] الحسن البصري: الحسن بن يسار، أبو سعيد، تابعي من أهل البصرة، عالم فقيه فصيح، له مواقف مع الحجّاج. مات سنة ١١٠ هـ.
[٢] الأعمش: سليمان بن مهران الأسدي بالولاء، اصله من بلاد الري، نشأ في الكوفة و كان عالما بالقرآن و الحديث و الفرائض توفي سنة ١٤٨ هـ.