حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٩٣ - النغر
يحملن أوعية السلاح كأنما # يحملنه بأكارع النغران
و مؤنثه نغرة كهمزة، و أهل المدينة يسمونه البلبل.
و في الصحيحين عن أنس رضي اللّه تعالى عنه، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أحسن الناس خلقا، و كان لي أخ لأمي فطيم يقال له عمير، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا جاءنا قال [١] : «يا أبا عمير ما فعل النغير» ؟. و عمير تصغير عمر أو عمرو، و الفطيم بمعنى المفطوم. قال شيخ الإسلام النووي رحمه اللّه تعالى، في الحديث فوائد كثيرة منها: جواز تكنية من لم يولد له، و تكنية الطفل و أنه ليس كذبا.
و في الحديث: «بادروا بكنى أولادكم لا تسبق إليها ألقاب السوء» . و فيه جواز المزاح فيما ليس بإثم، و جواز تصغير بعض المسميات، و جواز التسجيع في الكلام الحسن بلا كلفة، و ملاطفة الصبيان و تأنيسهم، و بيان ما كان عليه صلى اللّه عليه و سلم من حسن الخلق و كرم الشمائل، و التواضع و زيارة أهل الفضل، لأن أم سليم والدة أبي عمير و أنس رضي اللّه تعالى عنهما، هي من محارمه صلى اللّه عليه و سلم. و استدل به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة، و لا دلالة فيه لذلك، لأنه ليس في الحديث أنه من حرم المدينة، بل نقول: إنه صيد من الحل و أدخل الحرم. و يجوز للحلال أن يفعل ذلك، و لا يجوز له أن يصيد من الحرم، فيفرق بين ابتداء صيده، و بين استصحاب إمساكه. و قد صحت أحاديث كثيرة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم في تحريم صيد حرم المدينة، فلا يجوز تركها بمثل هذا الاحتمال و معارضتها به. و في الحديث أيضا دليل على جواز لعب الصغير بالطير الصغير.
قال العلامة أبو العباس القرطبي: لكن الذي أجاز العلماء أن يمسك له، و أن يلهو بحبسه.
و أما تعذيبه و العبث به فلا يجوز، لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكله. و قال غيره:
معنى قوله: يلعب به يتلهى بحبسه و إمساكه، و فيه دليل على جواز حبس الطير في القفص و التلهي به لهذا الغرض و غيره.
و منع ابن عقيل الحنبلي من ذلك، و جعله سفها و تعذيبا، لقول أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه: تجيء العصافير يوم القيامة، تتعلق بالعبد الذي كان يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها، و تقول: يا رب هذا عذبني في الدنيا. و الجواب: أن هذا فيمن منعها المأكول و المشروب. و قد سئل القفال عن ذلك؛ فقال: إذا كفاها المئونة جاز، بل في الحديث دليل على جواز قصها للعب الصبيان بها.
و كان بعض الصحابة يكره ذلك. و رأيت لأبي العباس أحمد بن القاص مصنفا حسنا على هذا الحديث، و ذكر فيه أن أبا حنيفة سمع صوت امرأة يضربها بعلها، و هي تصيح، فقال:
صدقة مقبولة و حسنة مكتوبة. فقال له رجل من أصحابه: كيف ذاك يا أستاذ؟فقال لقوله صلى اللّه عليه و سلم:
«أدب الجاهل صدقة عليه» . و أنا أعرفها جاهلة.
[١] رواه البخاري: أدب ٨١، ١١٢. و مسلم: أدب ٣٠. و أبو داود: أدب ٦٩.