حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٩٢ - فائدة أدبية
القلوب رغبة و رهبة، سهل النوال حزن النكال، الرجاء و الخوف معقودان في يده. قلت: كيف حكمه؟قال: يرد المظالم و يردع الظالم، و يعطي كل ذي حق حقه، فالرعية اثنان: مغتبط و راض.
قلت: فكيف هيبته فيهم؟قال: تصورت في قلوبهم فتغضى له العيون، فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي إليه و إقبالي عليه، و كانت الرسل تنزل عندي، فقال لترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟قال: يصف لهم ملكهم، و يذكر سيرته. فكلم ترجمانه فقال لي الترجمان: إنه يقول إن ملكهم ذو اناة عند القدرة، و ذو حلم عند الغضب، و ذو سطوة عند المغالبة، و ذو عقوبة عند الإجرام، قد كسا رعيته جميل نعمته، و فسرهم بعنيف عقوبته، فهم يتراءونه ترائي الهلال خيالا، و يخافونه مخافة الموت نكالا، قد وسعهم عدله، و راعهم قهره، لا تمتهنه مزحة، و لا توالسه غفلة، إذا أعطى أوسع، و إذا عاقب أوجع، فالناس اثنان راج و خائف، فلا الراجي خائب الأمل، و لا الخائف بعيد الأجل. قلت: فكيف كانت هيبتهم له؟قال: لا ترفع العيون إليه أجفانها، و لا تتبعه الأبصار إنسانها، كأن رعيته طيور فرفرف عليهم صقور صوائد. قال الفضل: فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال: يا فضل كم قيمتها عندك؟قلت: ألفا درهم. قال: إن قيمتها عندى أكثر من الخلافة، أ ما علمت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه:
«قيمة كلّ امرئ ما يحسن» أ فتعرف أحدا من الخطباء و البلغاء، يحسن أن يصف أحدا من خلفاء اللّه الراشدين المهديين، بمثل هذه الصفة؟قلت: لا. قال: أمرت لهما بعشرين ألف دينار معجلة و اجعل العدة بيني و بينهما، على العود فلولا حقوق الاسلام و أهله، لرأيت إعطاءهما جميع ما في بيت المال دون ما استحقاه انتهى.
و كان الفضل بن مروان [١] ، قد أخذ البيعة للمعتصم [٢] ببغداد، و المعتصم بالروم مع المأمون، فاعتد المعتصم له بها يدا، و استوزره فغلب عليه، و استقل بالأمور، فكانت الخلافة للمعتصم اسما و للفضل معنى. قيل: إن الفضل جلس يوما لاشغال الناس، فرفعت إليه قصص العامة فرأى فيها رقعة مكتوبا فيها هذه الأبيات [٣] :
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر # فقبلك كان الفضل و الفضل و الفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم # أبادتهم الأقياد و الحبس و القتل
و إنك قد أصبحت في الناس ظالما # ستؤذى كما أوذي الثلاثة من قبل
أراد الفضل بن يحيى البرمكي [٤] ، و الفضل بن الربيع [٥] ، و الفضل بن سهل [٦] . و كان المعتصم
[١] أبو العباس الفضل بن مروان بن ما سرخس وزير المعتصم، و كان جيد الإنشاء.
[٢] المعتصم: الخليفة العباسي محمد بن هارون الرشيد، أبو إسحاق بويع بالخلافة سنة ٢١٨ هـ، توفي سنة ٢٢٧ هـ.
[٣] الأبيات في وفيات الأعيان ٤/٤٥، و نسبتها إلى الهيثم بن فراس السامي.
[٤] الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي وزير الرشيد و أخوه بالرضاع، مات بسجنه في الرقة سنة ١٩٣ هـ.
[٥] الفضل بن الربيع بن يونس، كان حاجبا للمنصور العباسي ثم وزير للرشيد ثم للأمين، مات سنة ٢٠٨ هـ.
[٦] الفضل بن سهل السرخسي، وزير المأمون، كان حازما عاقلا، قتل في الحمام سنة ٢٠٢ هـ.