حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣١ - السعلاة
علم الأخبار و السير أنهما اثنان أحدهما كان على عهد ابراهيم و يقال إنه الذي قضى لإبراهيم حين خاصم إليه في بئر السبع بالشام، و الثاني كان قريبا من عهد عيسى عليه السلام و قيل إنه افريدون الذي قتل الملك الطاغي الذي كان على عهد ابراهيم أو قبله بزمن.
و اختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين، فقال بعضهم: لأنه ملك فارس و الروم، و قيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، و قيل: لأنه رأى في المنام كأنه آخذ بقرني الشمس، و كان تأويل رؤياه أنه طاف المشرق و المغرب، و قيل: إنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن، ثم دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر، و قيل: إنه كان كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه و أمه، و قيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس و هو حي، و قيل: لأنه كان إذا حارب قاتل بيديه و ركابيه جميعا، و قيل: لأنه دخل النور و الظلمة، و قيل: لأنه كان له ذؤابتان حسنتان و الذؤابة تسمى قرنا. قال الراعي [١] :
فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف لبرد ماء الحشرج [٢]
و قيل: لأنه أعطى علمي الظاهر و الباطن. و هو رجل من الاسكندرية يقال له اسكندر بن فيلبش الرومي و كان في الفترة بعد عيسى عليه الصلاة و السلام. قال مجاهد: ملك الأرض أربعة:
مؤمنان و كافران، فالمؤمنان: سليمان و ذو القرنين، و الكافران: نمرود و بختنصر، و سيملكها من هذه الأمة خامس و هو المهدي. و اختلف في نبوته فقال بعضهم: كان نبيا لقوله تعالى: قُلْنََا يََا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ [٣] و قال آخرون: كان ملكا صالحا عادلا، و لعله الأصح. فالقائلون بنبوته قالوا: إن الملك الذي كان ينزل عليه، اسمه رقيائيل و هو ملك الأرض الذي يطوي الأرض يوم القيامة و ينقصها فتقع أقدام الخلائق كلهم بالساهرة. قاله ابن أبي خيثمة. قال السهيلي: و هذا يشاكل توكله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها و مغاربها، كما أن قصة خالد بن سنان العبسي و هو نبي بين عيسى و محمد عليهما السلام، في تسخير النار، مشاكلة لحال الملك الموكل به، و هو مالك خازن النار. و سيأتي ذكر خالد و نبوته في باب العين المهملة في العنقاء، إن شاء اللّه تعالى. قال [٤]
الجاحظ: و زعموا أن التناكح و التلاقح قد يقع بين الجن و الإنس لقوله تعالى: وَ شََارِكْهُمْ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ [٥] و هذا ظاهر، و ذلك أن الجنيات إنما تتعرض لصرع رجال الإنس على جهة العشق في طلب السفاد، و كذلك رجال الجن لنساء الإنس، و لو لا ذلك لعرض الرجال للرجال و النساء للنساء، قال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاََ جَانٌّ* [٦] و لو كان الجان لا يفتض الآدميات، و لم يكن ذلك في تركيبه لما قال اللّه تعالى هذا القول.
و ذكروا أن الواق واق نتاج من بعض النباتات و بعض الحيوانات، و قال السهيلي: السعلاة
[١] الراعي: عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري، من شعراء العصر الأموي، شاعر مقدم مات سنة ٩٠ هـ. و البيت ليس في ديوانه.
[٢] الحشرج: حسي يكون فيه حصى، و الكوز الرقيق الحاريّ.
[٣] سورة الكهف: آية ٨٦.
[٤] الحيوان: ١/١٥٦.
[٥] سورة الإسراء: آية ٦٤.
[٦] سورة الرحمن: آية ٧٤.