حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣١١ - الفيل
مفكرا في مقالته، ثم رفع رأسه إليه، و قد تبين له صدق قوله، و علم أنه رجل عاقل. فقال له:
أريد منك ارتفاع ملكك ثلاث سنين عاجلا، و نصف ارتفاعه في كل سنة. فقال له ملك الصين:
هل غير هذا شيء؟قال: لا. قال: قد أجبتك إلى ذلك. قال: فكيف يكون حالك حينئذ؟قال:
أكون قتيل أول محارب، و أكلة أول مفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين، كيف يكون حالك؟قال: أصلح ما يكون ذلك مذهبا لجميع لذاتي. قال: فإن قنعت منك بالسدس. قال:
يكون السدس موفرا، و الباقي للجيش و لأسباب الملك. قال: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره و انصرف. فلما أصبح الصباح و طلعت الشمس، أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض كثرة، و أحاط بجيش الاسكندر، حتى خافوا الهلاك، فتواثبوا إلى خيولهم فركبوها و استعدوا، فبينما هم كذلك، إذ ظهر ملك الصين على فيل عظيم و عليه التاج، فلما رأى الاسكندر، ترجل و مشى إليه، و قبل الأرض بين يديه، فقال الاسكندر: أ غدرت؟قال: لا و اللّه. فقال: ما هذا الجيش؟قال: أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلة و لا ضعف، و أن ترى هذا الجيش، و ما غاب عنك أكثر منه، لكني رأيت العالم الأكبر مقبلا عليك ممكنا لك، ممن هو أقوى مني و منك، و أكثر عددا، فعلمت أنه من حارب الاله غلب و قهر، فأردت طاعته بطاعتك، و الذلة لأمره بالذلة لك. فقال له الاسكندر: ليس ينبغي أن يؤخذ من مثلك شيء، و ما رأيت أحدا يستحق التفضيل و الوصف بالعقل غيرك، و قد أعفيتك من جميع ما أردته منك، و أنا منصرف عنك. فقال له ملك الصين: أما إذ فعلت ذلك فإنك لا تخسر، ثم قدم له ملك الصين من الهدايا و التحف و الالطاف، أضعاف ما قرره معه، و رحل الاسكندر عنه.
قلت: و قد أذكرتني هذه الحكاية، ما حكاه صاحب ابتلاء الأخبار، عن الاسكندر مع ملكة الصين الأقصى، قال: إن الاسكندر لما سار في الأرض، و فتح البلاد سمعت به ملكة الصين، فأحضرت من أبصر صورة الاسكندر، ممن يعرف التصوير، و أمرتهم أن يصوروا صورته، في جميع الصنائع، خوفا منه، فصوروه في البسط و الأواني و الرقوم، ثم أمرت بوضع ما صنعوه بين يديها، و صارت تنظر لذلك، حتى أثبتت معرفته، فلما قدم عليها الاسكندر و نازل بلدها، قال الاسكندر للخضر يوما: قد خطر لي شيء أقوله لك، قال: و ما هو؟قال: أريد أن أدخل هذه البلدة متنكرا، و أنظر كيف يعمل فيها؟قال: افعل ما بدا لك.
فلما دخلها الاسكندر، نظرت إليه الملكة من حصنها، فعرفته بالصور التي عندها، فأمرت باحضاره فلما مثل بين يديها، أمرت به فوضع في مطمورة، لا يعرف الليل فيها من النهار، فبقي فيها ثلاثة أيام لا يأكل و لا يشرب، حتى كادت قوته أن تسقط، و اختبط عسكره لأجل غيبته، و الخضر يسكنهم و يسليهم، فلما كان اليوم الرابع، مدت ملكة الصين سماطا نحو مائة ذراع، و وضعت فيه أواني الذهب و الفضة و البلور، و ملأت أواني الذهب باللؤلؤ و الزبرجد، و أواني الفضة بالدر و الياقوت الأحمر و الأصفر، و أواني البلور بالذهب و الفضة، و ما في ذلك شيء يؤكل، إلا أنه مال لا يعلم قدره إلا اللّه تعالى. و أمرت فوضع في أسفل السماط، صحن فيه رغيف من خبز البر و شربة من الماء، و أمرت باخراج الاسكندر، و أجلسته على رأس السماط، فنظر إليه فأبهره ذلك!و أخذت تلك الجواهر ببصره و لم ير فيه شيئا للأكل، ثم نظر فرأى في أدنى السماط إناء فيه طعام، فقام من مكانه و مشى إليه و جلس عنده، و سمى و أكل، فلما فرغ من أكله، شرب من الماء