حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣١٥ - فائدة
قال: و قد سمعت من يقول: إن في الفيلة صنفا يبرك كما يبرك الجمل، فإن صح، و إلا فتأويله كما قدمناه. قال: و قول عبد المطلب: لا هم... الخ. إن العرب تحذف الألف و اللام من اللهم و تكتفي بما بقي. و الحلال متاع البيت، و أراد به سكان الحرم. و معنى محالك كيدك و قوتك.
و الكنيسة التي بناها أبرهة بصنعاء تسمى القليس، مثل القبيط سميت بذلك لارتفاع بنائها و علوها، و منه القلانس لأنها في أعلى الرءوس، يقال: تقلس الرجل و تقلنس إذا لبس القلنسوة، و تقلس طعاما إذا ارتفع من معدته إلى فيه.
و كان أبرهة قد استذل أهل اليمن في بنائها، و كلفهم فيها أنواعا من السخر و كان ينقل إليها الرخام المجزع، و الحجارة المنقوشة بالذهب و الفضة، من قصر بلقيس صاحبة سليمان بن داود عليهما الصلاة و السلام، و كان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، و نصب فيها صلبانا من الذهب و الفضة، و منابر من العاج و الآبنوس، و كان يشرف منها على عدن.
و كان حكمه في العامل فيها إذا طلعت عليه الشمس، قبل أن يعمل قطع يده، فنام رجل من العمال ذات يوم حتى طلعت الشمس، فجاءت أمه معه، و هي امرأة عجوز، فتضرعت إليه تستشفع لابنها، فأبى إلا قطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك و غدا لغيرك! فقال: ويحك ما قلت؟قالت: نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك، فهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك!فأخذته موعظتها، و عفا عن ولدها و أعفى الناس من السخر فيها.
فلما هلك و مزقت الحبشة كل ممزق، أقفر ما حول هذه الكنيسة، و كثر حولها السباع و الحيات، و كان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن، فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد و الخشب المرصع بالذهب و الآلات المفضضة التي تساوي قناطير مقنطرة من الأموال إلى زمن أبي العباس السفاح. فذكروا له أمرها و ما يتهيب من جنها، فلم يرعه ذلك، و بعث إليها أبا العباس بن الربيع عامله على اليمن، و معه أهل الحزم و الجلادة، فخربها و استأصلها، و حصل منها مالا كثيرا، و باع منها ما أمكن بيعه من رخامها و آلاتها. فخفي بعد ذلك رسمها و انقطع خبرها و درست آثارها. و كان الذي يصيبهم من الجن، ينسبونه إلى كعيب و امرأته و هما صنمان كانت الكنيسة بنيت عليهما، فلما كسر كعيب و امرأته، أصيب الذي كسرهما بالجذام، فافتتن بذلك رعاع اليمن و طغامهم، و ذكر أبو الوليد الأزرقي أن كعيبا كان من خشب و كان طوله ستين ذراعا.
و إلى قصة أبرهة أشرت بقولي في المنظومة في أول كتاب السير:
فجاءهم أبرهة بالفيله # و بجيوش أقبلت محتلفه
و أمهم في عسكر كالليل # مستظهرا برجله و الخيل
و قد أتى الأسود نحو الحرم # و استاق ما كان به من نعم
فأم ذاك الوقت عبد المطلب # أبرهة و السعي في الخير طلب
فمذ رأى أبرهة وجها سما # مهابة عظمه ربّ السما
انحطّ عن سريره منهبطا # و قعدا على بساط بسطا
و قال: سل ما شئت من أمور # فقال رد مائتي بعير