حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٣ - الزنبور
نفعت من الغشاوة، و ظلمة البصر نفعا بليغا، و زبله يزيل الكلف و النمش طلاء.
زمج الماء:
و هو الطائر الذي يسمى بمصر النّورس و هو أبيض في حد الحمام أو أكبر، يعلو في الجو ثم يزج نفسه في الماء و يختلس منه السمك و لا يقع على الجيف و لا يأكل غير السمك.
و حكمه
: حل الأكل، لكن حكى الروياني عن الصيمري أن طير الماء الأبيض حرام، لخبث لحمه. قال الرافعي: و الأصح أن جميع طير الماء حلال إلا اللقلق و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في باب اللام.
الزنبور:
الدبر و هي تؤنث و الزنابير لغة فيها و ربما سميت النحلة زنبورا، و الجمع الزنابير.
قال ابن خالويه، في كتاب ليس: ليس أحد سمعته يذكر كنية الزنبور إلا أبا عمر و الزاهد فإنه قال: كنيته أبو علي و هو صنفان جبلي و سهلي: فالجبلي يأوي الجبال و يعشش في الشجر و لونه إلى السواد و بدء خلقه دود، ثم يصير كذلك، و يتخذ بيوتا من تراب كبيوت النحل، و يجعل لبيته أربعة أبواب لمهاب الرياح الأربع، و له حمة يلسع بها، و غذاؤه من الثمار و الأزهار. و يتميز ذكورها من إناثها بكبر الجثة. و السهلي لونه أحمر و يتخذ عشه تحت الأرض، و يخرج منه التراب كما يفعل النمل و يختفي في الشتاء لأنه متى ظهر فيه هلك، فهو ينام من البرد طول الشتاء كالميتة و لا يدخر القوت للشتاء بخلاف النمل، فإذا جاء الربيع و قد صارت الزنابير من البرد و عدم القوت كالخشب اليابس، نفخ اللّه تعالى في تلك الجثث الحياة فتعيش مثل العام الأول، و ذلك دأبها.
و من هذا النوع صنف مختلف اللون مستطيل الجسد، في طبعه الحرص و الشره، يطلب المطابخ و يأكل ما فيها من اللحوم، و يطير منفردا و يسكن بطن الأرض و الجدران، و هذا الحيوان بأسره مقسوم من وسطه و لذلك لا يتنفس من جوفه البتة و متى غمس في الدهن سكنت حركته، و إنما ذلك لضيق منافذه، فإذا طرح في الخل عاش و طار. قال الزمخشري في تفسير سورة الأعراف: قد يجعل المتوقع الذي لا بد منه بمنزلة الواقع. و منه ما روي أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري دخل على أبيه و هو يبكي، و هو إذ ذاك طفل، فقال له: ما يبكيك؟فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة فقال حسان: يا بني قلت الشعر و رب الكعبة!أي ستقوله. فجعل المتوقع كالواقع. و ما أحسن قول الأول [١] :
و للزنبور و البازي جميعا # لدى الطيران أجنحة و خفق
و لكن بين ما يصطاد باز # و ما يصطاده الزنبور فرق
و قد أجاد الشيخ زهير الدين بن عسكر [٢] قاضي السلامية بقوله:
في زخرف القول تزيين لباطله # و الحقّ قد يعتريه سوء تغيير [٣]
[١] هو الحسين بن عبد اللّه بن رواحة، و البيتان في معجم الأدباء ٣/١٥١.
[٢] ابن عسكر: أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر الملقب ظهير الدين قاضي السلامية فقيه شافعي موصلي فاضل مات سنة ٦١٠ هـ.
[٣] الأبيات الثلاثة في وفيات الأعيان: ١/٣٣ دون عزو. و في الأول: «سوء تعبير» .