حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٨١ - الأمثال
و رعيتها: تلقوا سيدكم و ملك دولتكم فعاد الرسول إليه بالجواب، و أخبره بما رأى و سمع.
فلما أراد جذيمة أن يسير، دعا قصيرا و قال: أنت على رأيك؟قال: نعم، و قد زادت بصيرتي فيه، أ فأنت على عزمك؟قال: نعم، و قد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: «ليس الدهر بصاحب لمن لم ينظر في العواقب» [١] فأرسلها مثلا. ثم قال: «و قد يستدرك الأمر قبل فوته، و في يد الملك بقية، هو بها مسلط على استدراك الصواب، فإنك إن وثقت بأنك ذو ملك و سلطان و عشيرة و أعوان، فإنك قد نزعت يدك من سلطانك، و فارقت عشيرتك و أعوانك، و ألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره و غدره، فإن كنت و لا بد فاعلا، و لهواك تابعا، فإن القوم أن يلقوك غدا رزدقا واحدا، و قاموا لك صفين، حتى إذا توسطتهم أطبقوا عليك من كل جانب، و أحدقوا بك فقد ملكوك، و صرت في قبضتهم. و هذه العصا لا يسبق غبارها. (و كان لجذيمة فرس تسبق الطير و تجاري الرياح، يقال لها العصا) ، فإذا رأيت الأمر كذلك فتجلل ظهرها، فهي ناجية بك إن ملكت ناصيتها» ، فسمع جذيمة كلامه و لم يرد جوابه. و سار و كانت الزباء، لما رجع رسول جذيمة من عندها، قالت لجندها: «إذا أقبل جذيمة غدا فتلقوه بأجمعكم، و قوموا له صفين، عن يمينه و عن شماله، فإذا توسط جمعكم، فانقضوا عليه من كل جانب حتى تحدقوا به، و إياكم أن يفوتكم» .
و سار جذيمة و قصير عن يمينه، فلما لقيه القوم رزدقا واحدا، قاموا له صفين، فلما توسطهم انقضوا عليه من كل جانب فعلم أنهم قد ملكوه، و كان قصير يسايره، فأقبل جذيمة عليه و قال:
صدقت يا قصير، فقال: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو بها، فأنف جذيمة من ذلك، و سارت به الجيوش، فلما رأى قصير أن جذيمة قد استسلم للأمر، و أيقن بالقتل، جمع نفسه و وثب على ظهر العصا، و قال ابن هشام: إن قصيرا قدم العصا إلى جذيمة، فشغل عنها جذيمة بنفسه، فركبها قصير و أعطاها عنانها، و زجرها فذهبت تهوي في هوي الريح، فنظر إليه جذيمة و هي تطاول به، و أشرفت عليه الزباء من قصرها، فقالت له: ما أحسنك من عروس تجلى علي و تزف إلي حتى دخلوا به على الزباء، و لم يكن معها في قصرها إلا جوار أبكار، و هي جالسة على سريرها و حولها ألف وصيفة، كل واحدة لا تشبه صاحبتها في خلق و لا زي، و هي بينهن كأنها قمر قد حفت به النجوم.
و قال ابن هشام: و كانت الزباء قد ربت شعر عانتها حولا، فلما دخل عليها جذيمة، تكشفت له و قالت: أمتاع عروس ترى؟فقال: بل متاع أمة بظراء!فأمرت به فأجلس على نطع، و قيل: إنه لما أدخل عليها أمرت بالانطاع فبسطت و قالت لوصائفها: خذن بيد سيدكن، و بعل مولاتكن، فأخذن بيده و أجلسنه على الانطاع، بحيث تراه و يراها، و تسمع كلامه و يسمع كلامها، ثم أمرت الجواري فقطعن رواهشه [٢] ، و وضعن الطست بين يديه، فجعلت دماؤه تشخب في الطست فقطرت قطرة على النطع، فقالت لجواريها: لا تضيعوا دم الملك، فقال جذيمة: لا يحزنك دم أراقه أهله. فقالت: و اللّه ما و فى دمك، و لا شفى قتلك، و لكنه «غيض من
[١] مجمع الأمثال: ٢/٢٠٠.
[٢] الرواهش: عروق ظاهر الكف.