حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٣٠ - الأمثال
الصاحب إليه [١] :
و لما أبيتم أن تزوروا و قلتم # ضعفنا فلم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعض أرض نزوركم # و كم منزل بكر لنا و عوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم # بملء جفون لا بملء جفان
و كتب مع هذه الأبيات شيئا من النثر، فجاوبه أبو أحمد عن النثر بنثر مثله و عن هذه الأبيات بالبيت المشهور و هو:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه # و قد حيل بين العير و النزوان
فلما وقف الصاحب على الجواب، عجب من اتفاق هذا البيت له، و قال: و اللّه لو علمت أنه يقع له هذا البيت، لما كتبت إليه على هذا الروي. و هذا البيت لصخر أخي الخنساء. و هو من جملة أبيات مشهورة. و كان صخر المذكور قد حضر محاربة بني أسد، فطعنه ربيعة بن ثور الأسدي فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه، و بقي مدة حول في أشد ما يكون من المرض، و أمه و زوجته سليمى يمرضانه. فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة فسألتها عن حاله، فقالت: لا هو حي فيرجى و لا ميت فينسى فسمعها صخر فأنشد [٢] :
أرى أم صخر لا تمل عيادتي # و ملت سليمى مضجعي و مكاني
و ما كنت أخشى أن أكون جنازة # عليك و من يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائما # و أسمعت من كانت له أذنان
و أي امرئ ساوى بأم حليلة # فلا عاش إلا شقا و هوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه # و قد حيل بين العير و النزوان
فللموت خير من حياة كأنها # معرس يعسوب برأس سنان
و قالوا: «كل شواء العير جوفان» [٣] ، قيل: اجتمع فزاري و ثعلبي و كلبي في سفر، فاشتووا حمارا وحشيا، فغاب الفزاري في بعض حاجاته، فأكل صاحباه العير، و اختبآ له غرموله، فلما جاء قدماه له و قالا: هذا قد اختبأناه لك، فجعل يأكل و لا يسيغه فضحكا منه، فاخترط سيفه و قال:
لأقتلنكما إن لم تأكلاه!فأبى أحدهما، فضربه بالسيف، فأبان رأسه. و كان اسمه مرقمة، فقال صاحبه: طاح مرقمة!فقال الفزاري: و أنت إن لم تلقمه أراد إن لم تلقمها طرحت رأسك. و قد عيرت فزارة بهذا الخبر حتى قال سالم بن دارة في ذلك [٤] :
لا تأمنن فزاريا خلوت به # على قلوصك و اكتبها بأسيار
لا تأمننه و لا تأمن بوائقه # بعد الذي امتل اير العير بالنار
أطعمتم الضيف جوفانا مخاتلة # فلا سقاكم إلهي الخالق الباري
[١] وفيات الأعيان: ٢/٨٣.
[٢] وفيات الأعيان: ٢/٨٤.
[٣] مجمع الأمثال: ٢/١٥١.
[٤] وفيات الأعيان: ٦/٣٢١.