حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٩ - فائدة
يضره، فلما خرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع؟قال: كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر السبع.
قيل: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضي اللّه تعالى عنهما فعرض لهما سبع، فقال سفيان لشيبان: أما ترى هذا السبع؟فقال: لا تخف، ثم أخذ شيبان أذنه فعركها فبصبص و حرك ذنبه، فقال سفيان: ما هذه الشهرة؟فقال: لو لا مخافة الشهرة لوضعت زادي على ظهره، حتى آتي مكة. و ذكر الحافظ أبو نعيم في الحلية قال: كان شيبان الراعي إذا أجنب، و ليس عنده ماء دعا ربه فتجيء سحابة فتظله، فيغتسل منها ثم تذهب، و كان إذا ذهب للجمعة، خط حول غنمه خطا فإذا جاء وجدها على حالها لم تتحرك، و ذكر أبو الفرج بن الجوزي و غيره أن الإمام أحمد و الشافعي مرا يوما بشيبان الراعي فقال الإمام أحمد: لأسألن هذا الراعي و أنظر جوابه، فقال له الشافعي:
لا تتعرض له، فقال: لا بد من ذلك، فقال له: يا شيبان ما تقول فيمن صلى أربع ركعات فسها في أربع سجدات ما ذا يلزمه؟قال له: على مذهبنا أم على مذهبكم؟قال: أ هما مذهبان؟قال:
نعم، أما عندكم فيلزمه أن يصلي ركعتين و يسجد للسهو، و أما عندنا فهذا رجل مقسم القلب يجب أن يعاقب قلبه حتى لا يعود. قال: فما تقول فيمن ملك أربعين شاة و حال عليها الحول ما ذا يلزمه؟قال: يلزمه عندكم شاة و أما عندنا فالعبد لا يملك شيئا مع سيده. فغشي على الإمام أحمد فلما أفاق انصرفا انتهى. قلت: و قد ذهب جماعة من علماء الآخرة إلى من سها فسدت صلاته، أخذا بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقله منها فعلا و لفظا» . قالوا: و لا تفسد الصلاة إلا بترك واجب، و إلا فأي معنى للركوع و السجود، و المقصود منهما التعظيم و الحضور لا الغفلة و الذهول؟!و هو حسن، و إنما أفتت العلماء رضي اللّه تعالى عنهم بصحة الصلاة بذلك لعجزهم عن الاطلاع على أسرار القلوب، و سلموها إلى أربابها ليستفتوا نفوسهم، ليدفع الفقهاء كيد الشيطان و شقشقته عمن يقول لا إله إلا اللّه، و ليقيموا الصلاة، و لم يفتوا بأن ذلك نافع لهم في الآخرة، ما لم يطابق عليه القلب اللسان مع الإخلاص للّه و الإخلاص للّه واجب في سائر الأعمال. و الاخلاص هو ما صفا عن الكدر، و خلص من الشوائب. قال تعالى: «مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خََالِصاً» [١] فكما أن خلوص اللبن من الفرث و الدم، فكذلك إخلاص الأعمال من الرياء و حظوظ النفس جميعا و قد تكلمت على ذلك كلاما طويلا في الجوهر الفريد فلينظر هناك و باللّه التوفيق. و رأيت في بعض المجاميع أن الشافعي رضي اللّه تعالى عنه كان يجلس إلى شيبان الراعي و يسأله عن مسائل فقيل له: مثلك يسأل هذا البدوي فيقول لهم: هذا وفق لما علمناه.
و كان شيبان أميا و إذا كان محل الأمي منهم من العلم هكذا فما ظنك بأئمتهم و قد كان الأئمة المجتهدون كالشافعي و غيره رضي اللّه تعالى عنهم يعترفون بوفور فضل علماء الباطن و قد قال الإمامان الجليلان الشافعي و أبو حنيفة رضي اللّه عنهما: إذا لم يكن العلماء أولياء اللّه تعالى، فليس للّه ولي. و قد حكى غير واحد من الحفاظ أن أبا العباس بن شريح، كان إذا أعجب الحاضرين ما يبديه لهم من العلوم، يقول لهم: أ تدرون من أين لي هذا؟إنما حصل من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد رضي اللّه تعالى عنه. و كان من دعاء شيبان: يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد،
[١] سورة النحل: آية ٦٦.