حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٢١ - الخواص
فقلت: هذا عكس قول شاعر [١] الأنصار حيث يقول:
للّه درّ عصابة نادمتهم # يوما بجلّق في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضّل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم # شمّ الأنوف من الطّراز الأول
و من شعر العتابي [٢] رحمه اللّه تعالى:
طاف الخيال بنا ليلا فحيّانا # أهلا به من ملمّ زار عجلانا
ما ضرّ زائرنا المهدى تحيته # في النوم إذ زارنا لو زار يقظانا
إني أهتدي و سواد الليل معتكر # على تباعد مسراه و مسرانا
إن الأماني قد خيلن لي سكنا # ردت تحيته قلبي كما كانا
حتى إذا هو ولى و انتبهت له # هاجت زيارته شوقا و أحزانا
و قال علي بن محمد بن نصير في المعنى بيتا مفردا:
و كان خيالها يشفي سقاما # فضنّت بالخيال على الخيال
و قالوا: «أشكر [٣] من كلب» .
حكى محمد بن حرب، قال: دخلت على العتابي فوجدته جالسا على حصير، و بين يديه شراب في إناء، و كلب رابض بالفناء بحياله، يشرب كأسا و يولغه أخرى، فقلت له: ما الذي أردت بما اخترت؟فقال: أسمع أنه يكف عني أذاه، و يكفيني أذى من سواه، و يشكر قليلي و يحفظ مبيتي و مقيلي، و هو من بين الحيوان خليلي. قال ابن حرب: فتمنيت و اللّه أن أكون كلبا له لأحوز هذا النعت منه.
الخواص
: لحمه يعلو شحمه، بخلاف لحم الشاة، فإن شحمها يعلو لحمها، فإذا ارتضعت الشاة من كلبة كان لحمها على صفة لحم الكلاب، و في ذلك قصة شهيرة لربيعة و مضر و أنمار و إياد، تقدمت في باب الهمزة في الأفعى.
قال السهيلي: و في الحديث «لا تسبوا ربيعة و مضر، فإنهما كانا مؤمنين» . قال: و إنما سمي ربيعة الفرس لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، و أعطي أخوه الذهب، فسمي مضر الحمراء. و لا تقول العرب إلا ربيعة و مضر و لا يقولون مضر و ربيعة أصلا.
[١] ديوان حسّان بن ثابت: ٣٦٤.
[٢] العتابي: كلثوم بن عمرو بن أيوب التغلبي، أبو عمرو. كاتب مترسل، جيد الشعر من أهل الشام، سكن بغداد و مدح هارون الرشيد و غيره. مات سنة ٢٢٠ هـ.
[٣] جمهرة الأمثال: ١/٤٦٢.