حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥٦٤ - اليعسوب
واحد بعد واحد. و أعجب من ذلك أن أميرين منهما، لا يجتمعان في بيت، و لا يتأمران على جمع واحد، بل إذا اجتمع منها جندان و أميران قتلوا أحد الأميرين و قطعوه و اتفقوا على الأمير الواحد من غير معاداة منهم، و لا أذى من بعضهم لبعض، بل يصيرون يدا واحدة.
روى ابن السني، في عمل اليوم و الليلة، عن أبي أمامة الباهلي رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن أحدكم إذا أراد أن يخرج من المسجد، تداعت جنود إبليس و اجتمعت كما تجتمع النحل على يعسوبها، فإذا قام أحدكم على باب المسجد، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من إبليس و جنوده، فإنه إذا قالها لم تضره» .
و من لفظ اليعسوب، قيل للسيد يعسوب قومه. و قال علي رضي اللّه تعالى عنه، لما رأى عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد مقتولا، يوم الجمل: هذا يعسوب قريش، ثم قال: جدعت أنفي و شفيت نفسي. و كان عبد الرحمن يقاتل ذلك اليوم و يقول:
أنا ابن عتاب بسيف ولول # و الموت دن الجمل المجلل
و قاتل قتالا شديدا في ذلك اليوم، و قطعت يده يومئذ، و كان فيها خاتم، فاختطفها نسر فطرحها باليمامة، فعرفت بخاتمه فصلوا عليه. و بالجملة، فقد اتفقوا على أن يده احتملها طائر في وقعة الجمل، فألقاها بالحجاز، فصلوا عليها و دفنوها.
و اختلفوا في الطائر ما هو و في أي مكان ألقاها؟فقيل: حملها نسر و ألقاها باليمامة في ذلك اليوم كما تقدم. و قال ابن قتيبة: حملتها عقاب، فألقتها في ذلك اليوم باليمامة. و قال الحافظ أبو موسى و غيره: ألقاها بالمدينة. و قال الشيخ، في شرح المهذب: ألقاها بمكة.
و في صحيح [١] مسلم، من حديث النواس بن سمعان الطويل، أن الدجال تتبعه كنوز الأرض، كيعاسيب النحل أي تظهر له و تجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعسوبها.
و لما مات أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، قام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، على باب البيت الذي هو مسجى فيه، فقال: كنت و اللّه يعسوبا للمؤمنين، و كنت كالجبل لا تحركه العواصف، و لا تزيله القواصف. فمثله علي كرم اللّه وجهه باليعسوب في سبقه للإسلام غيره، لأن اليعسوب يتقدم النحل إذا طارت فتتبعه، و العواصف الريح المهلكة في البر، و القواصف الريح المهلكة في البحر. قال [٢] اللّه تعالى: وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ عََاصِفَةً و قال [٣] اللّه تعالى: فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قََاصِفاً مِنَ اَلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمََا كَفَرْتُمْ .
و في كامل ابن عدي، في ترجمة عبد اللّه بن واقد الواقفي، و في ترجمة عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لعلي رضي اللّه تعالى عنه:
«أنت يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الكفار» . و في رواية: يعسوب الظلمة و في رواية: يعسوب
[١] رواه مسلم: فتن ١١٠. و الترمذي فتن ٥٩.
[٢] سورة الأنبياء: آية ٨١.
[٣] سورة الإسراء: آية ٦٩.