حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٩٤ - فائدة أخرى
فلما رأى ذلك الفتية، حزنوا حزنا شديدا فصلوا و صاموا و اشتغلوا بالتسبيح و الدعاء للّه تعالى، و كانوا من أشراف الروم، و كانوا ثمانية فتفرقوا، و تضرعوا، و جعلوا يقولون [١] : رَبُّنََا رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلََهاً، لَقَدْ قُلْنََا إِذاً شَطَطاً ، اللهم اكشف عن عبادك المؤمنين، هذه الفتنة و ادفع البلاء و الغم عن عبادك، الذين آمنوا بك، حتى يعلنوا عبادتهم إياك، فبينما هم على ذلك إذا أدركهم الشرطة، و كانوا قد دخلوا في مصلى لهم، فوجدوهم سجدا على وجوههم يبكون و يتضرعون إلى اللّه تعالى، و يسألونه أن ينجيهم من دقيانوس و فتنته.
فلما رآهم أولئك الكفرة، قالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، فقالوا: نجمع الجميع و هؤلاء الفتية من أهل بيتك يسخرون بك و يعصون أمرك!فلما سمع ذلك منهم أتى بهم و أعينهم تفيض من الدمع، معفرة وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح للآلهة التي تعبد في الأرض، و أن تجعلوا أنفسكم كغيركم؟فاختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا كما يذبح الناس، و إما أن أقتلكم؟فقال مكسلمينا، و كان أكبرهم: إن لنا إلها ملأت السموات و الأرض عظمته لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلََهاً، لَقَدْ قُلْنََا إِذاً شَطَطاً [٢] و لن نقر بهذا الذي تدعو إليه أبدا، و لكنا نعبد اللّه ربنا، له الحمد و الشكر و التسبيح من أنفسنا خالصا أبدا، إياه نعبد و إياه نسأل النجاة و الخير، فأما الطواغيت و عبادتها فلن نعبدها أبدا، اصنع ما بدا لك.
ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال له، فلما قالوا ذلك أمر فنزع منهم الملبوس الذي كان عليهم من لبوس عظمائهم، و قال: إن فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم و أفرغ لكم و أنجزكم ما وعدتكم من العقوبة، و ما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شبابا حديثة أسنانكم، فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا، تتذاكرون فيه و تراجعون عقولكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب و فضة فنزعت عنهم، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده و انطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبة منهم، لبعض أموره فلما علم الفتية أن دقيانوس خرج من مدينتهم، بادروا قدومه و خافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فائتمروا بينهم، أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها، ثم يتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة، في جبل يقال له منحلوس، فيمكثون فيه و يعبدون اللّه تعالى، حتى إذا جاء دقيانوس، أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء. فلما قال ذلك بعضهم لبعض، عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه، فأخذ نفقة فتصدقوا منها، و انطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، و اتبعهم كلب كان لهم. حتى أتوا ذلك الكهف في الجبل فلبثوا فيه.
و قال كعب الأحبار: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟لا تخشوا جانبي فأنا أحب أحباب اللّه. فناموا حتى أحرسكم.
و قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: هربوا ليلا من دقيانوس بن حلانوس حين دعاهم
[١] سورة الكهف: آية ١٤.
[٢] سورة الكهف: آية ١٤.