حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٧٨ - الأمثال
و يتركون الجمعات» . قال الحربي: أظنه أراد يتباعدون عن الأمصار و عن صلاة الجماعة، و يطلبون مواضع اللبن، في المراعي و البراري و البوادي. و قال غيره: أراد قوما أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات.
و في صحيح البخاري، من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن عسب الفحل» [١] . و الأشهر في تفسيره أنه ضراب الفحل كما قال الشاعر:
و لو لا عسبه لرددتموه # و شر منيحة فحل يعار
و قيل: المراد ثمن مائه، ففي رواية الشافعي و أحمد و أبي داود، في بعض نسخه، نهى عن ثمن عسب الفحل، و قيل: العسب أجرة ضرابه، فيحرم ثمن مائه. و كذا أجرته في الأصح.
الأمثال
: قال العسكري: و من الأمثال المستحسنة قولهم: «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» .
و قد تمثل به ورقة بن نوفل في النبي صلى اللّه عليه و سلم حين خطب خديجة بنت خويلد رضي اللّه تعالى عنها.
و يقال: بل تمثل به أبو سفيان بن حرب حين خطب النبي صلى اللّه عليه و سلم ابنته حبيبة رضي اللّه تعالى عنها.
قال: و أصحاب الحديث يرونه «الفحل لا يقرع أنفه» بالراء، انتهى. قال الشماخ [٢] :
إذا ما استافهنّ ضربن منه # مكان الرمح من أنف القدوع
قوله: استافهن يعني حمارا يستاف أنثى، فيرمحنه إذا استافهن، و السوف الشم. و قوله: مكان الرمح من القدوع أراد بالقدوع المقدوع، و هذا من الأضداد. يقال: طريق ركوب إذا كانت تركب، و رجل ركوب للدواب إذا كان يركبها، و ناقة رغوث إذا كانت ترضع، و حوار رغوث إذا كان يرضع، و شاة حلوب إذا كانت تحلب، و رجل حلوب إذا كان يحلب الشاة، و القدوع هنا البعير قدع أنفه، و هو أن يريد الناقة الكريمة، و لا يكون كريما فيضرب أنفه بالرمح حتى يرجع.
يقال: قدع أنفه عن كذا، أي منع عنه، و أنشد الشيخ شرف الدين الدمياطي في أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب لعبد اللّه بن يزيد الهلالي:
ما أنجبت نجيبة من فحل # بجبل نعلمه أو سهل
كسته من بطن أمّ الفضل # زوجة المصطفى ذي الفضل
خاتم الأنبياء و خير الرسل # أكرم بها من كهلة و كهل
و قالوا: الفحل يحمي شوله معقولا، و الشول تقدم في باب الشين المعجمة أنها النوق، التي جف لبنها و ارتفع ضرعها، و أتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة شائلة، و الشول: جمع على غير قياس. و معقولا نصب على الحال، أي أن الحر يحتمل الأمر الجليل في حفظ أهله و حريمه، و إن كان به علة، و قد تمثل بذلك هاشم بن عتبة بن أبي وقاص أخي سعد بن أبي
[١] رواه البخاري: إجارة ٢١. و أبو داود: بيوع ٤٠.
[٢] الشمّاخ بن ضرار بن حرملة بن سنان الذبياني، شاعر مخضرم أدرك الإسلام، شعره جيد، مات سنة ٢٢ هـ و البيت في الحيوان للجاحظ ٥/٢٨١.