حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ١٣٥ - الفائدة الأخرى
و الحسنة، و الغالب أن يكون فيما يسر، و قد يكون فيما يسوء. و أما الطيرة، فإنها لا تكون إلا فيما يسوء.
قال العلماء: إنما أحب الفأل، لأن الإنسان إذا أمل فضل اللّه تعالى كان على خير، و إذا قطع رجاءه من اللّه تعالى كان على سوء. و الطيرة فيها سوء ظن و توقع البلاء، و في الحديث قالوا:
يا رسول اللّه لا يسلم منا أحد من الطيرة و الحسد و الظن فما نصنع؟قال صلى اللّه عليه و سلم: «إذا تطيرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تتحقق» . رواه الطبراني و ابن أبي الدنيا، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام على الطيرة في باب اللام، في اللقحة أيضا.
قال في مفتاح دار السعادة: و اعلم أن التطير، إنما يضر من أشفق منه و خاف، و أما من لم يبال به و لم يعبأ به، فلا يضره البتة لا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه: اللهم لا طير إلا طيرك، و لا خير إلا خيرك، و لا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، و لا يذهب بالسيئات إلا أنت، و لا حول و لا قوة إلا بك. و أما من كان معتنيا بها فهي أسرع إليه من السيل إلى منحدره، و قد فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه و يراه، و يفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة و القريبة، ما يفسد عليه دينه و ينكد عليه معيشته انتهى.
و قال ابن عبد الحكم: لما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة، قال رجل من لخم: نظرت فإذا القمر في الدبران، فكرهت أن أقول له فقلت: أ لا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة!فنظر عمر فإذا هو في الدبران، فقال: كأنك أردت أن تعلمني بأنه في الدبران، أنا لا نخرج بشمس و لا بقمر، و لكنا نخرج باللّه الواحد القهار. و قال ابن خلكان: و من قبيح ما وقع لأبي نواس أن جعفر بن يحيى البرمكي بنى دارا استفرغ فيها جهده، فلما كملت و انتقل إليها صنع فيها أبو نواس قصيدة [١] امتدحه بها أولها:
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى # عليك و إني لم أخنك ودادي
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم # بني برمك من رائحين و غادي
فتطير منها بنو برمك، و قالوا: نعيت لنا أنفسنا يا أبو نواس، فما كانت إلا مديدة، حتى أوقع بهم الرشيد و صحّت الطّيرة. و ذكر الطبري و الخطيب البغدادي و ابن خلكان و غيرهم، أن جعفر بن يحيى البرمكي، لما بنى قصره، و تناهى بنيانه، و كمل حسنه، و عزم على الانتقال إليه، جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتا في الليل، فخرج في ذلك الوقت و الطرق خالية، و الناس هادئون فرأى رجلا قائما يقول:
تدبر بالنجوم و لست تدري # و ربّ النجم يفعل ما يشاء
فتطير و وقف، و دعا بالرجل و قال له: أعد ما قلت فأعاده، فقال: ما أردت بهذا؟قال: ما أردت به معنى من المعاني، و لكنه شيء عرض لي و جاء على لساني، فأمر له بدينار و مضى لوجهه، و قد تنغص سروره و تكدر عيشه فلم يكن إلا قليل حتى أوقع بهم الرشيد. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر قتله في باب العين المهملة، في العقاب. و في التمهيد لابن عبد البر، من حديث المقبري عن
[١] ديوان أبي نواس ٢٢٠.