حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٠ - السعلاة
الاسكندر، قال: و كان أبوه أعلم أهل الأرض بعلم النجوم، و لم يراقب أحد الفلك ما راقبه، و كان قد مد اللّه تعالى له في الأجل فقال ذات ليلة لزوجته: قد قتلني السهر، فدعيني أرقد ساعة و انظري إلى السماء، فإذا رأيت قد طلع في هذا المكان نجم و أشار بيده إلى موضع طلوعه فنبهيني حتى أطأك فتعلقي بولد يعيش إلى آخر الدهر، و كانت أختها تسمع كلامه ثم نام أبو الاسكندر فجعلت أخت زوجته تراقب النجم فلما طلع النجم أعلمت زوجها بالقصة فوطئها فعلقت منه بالخضر فكان الخضر بن خالد الإسكندر و وزيره فلما استيقظ أبو الاسكندر، رأى النجم قد نزل في غير البرج الذي كان يرقبه، فقال لزوجته: لم لم تنبهيني؟فقالت: استحييت و اللّه فقال لها: أ ما تعلمين أني أراقب هذا النجم منذ أربعين سنة و اللّه لقد ضيعت عمري في غير شيء. و لكن الساعة يطلع في أثره نجم فأطؤك فتعلقين بولد يملك قرني الشمس فما لبث أن طلع، فواقعها فعلقت بالاسكندر، و ولد الاسكندر و ابن خالته الخضر في ليلة واحدة. ثم إن الاسكندر فتح اللّه عليه، بتمكينه في الأرض، و فتح البلاد و كان من أمره ما كان.
و روي عن وهب بن منبه أنه قال: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، و كان اسمه الاسكندر و كان عبدا صالحا، فلما بلغ أشده، قال اللّه تعالى: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض و هم أمم مختلفة و هم أصناف منهم أمتان بينهما طول الأرض و منهم أمتان بينهما عرض الأرض و أمم في وسط الأرض فقال ذو القرنين: إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم، لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي ندبتني إليها بأي قوة أكاثرهم؟و بأي صبر أقاسيهم؟و بأي لسان أناطقهم؟و كيف لي أن أفقه لغاتهم؟و بأي سمع أسمع قولهم؟و بأي بصر أنقدهم؟و بأي حجة أخاصمهم؟و بأي عقل أعقل عنهم؟و بأي قلب و حكمة أدبر أمرهم؟و بأي قسط أعدل بينهم؟و بأي معرفة أفصل بينهم؟و بأي يد أسطو عليهم؟ و بأي رجل أطؤهم؟و بأي طاقة أحصيهم؟و بأي جند أقاتلهم؟و بأي رفق أتألفهم؟و ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم لهم و يقوى عليهم و يطيقهم، و أنت الرءوف الرحيم الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها و لا يحملها إلا طاقتها. قال اللّه عز و جل: إني سأطوقك و أحملك و أشرح لك صدرك، فتسمع كل شيء، و أقوي لك فهمك فتفقه كل شيء، و أبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، و أفتح لك سمعك فتعي كل شيء، و أمد بصرك فتنقد كل شيء، و أشد لك ركنك فلا يغلبك شيء، و أقوي لك قلبك فلا يروعك شيء، و احفظ لك عقلك فلا يعزب عنك شيء، و أبسط لك ما بين يديك فتسطو فوق كل شيء، و أشد لك وطأتك فتهد كل شيء، و ألبسك الهيبة فلا يهولنك شيء، و أسخر لك النور و الظلمة و أجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور من أمامك، و تحفظك الظلمة من ورائك، و ذلك قوله تعالى: وَ آتَيْنََاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً [١] و قال ابن هشام: ذو القرنين هو الصعب بن ذي مرثد الحميري من ولد وائل بن حمير. و قال ابن إسحاق: اسمه مرزبان بن مردويه، كذا وقع في السيرة له، و ذكر انه الاسكندر.
و قيل: إنه رجل من ولد يونان بن يافث، و اسمه هرمس و يقال له هرديس، و الظاهر من
[١] سورة الكهف: آية ٨٤.