حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥١٧ - الهدهد
قال الجاحظ: و هو وفاء حفوظ ودود، و ذلك أنه إذا غابت أنثاه، فلم يأكل و لم يشرب، و لم يشتغل بطلب طعم و لا غيره، و لا يقطع الصياح حتى تعود إليه، فإن حدث حادث أعدمه إياها، لم يسفد بعدها أنثى أبدا، و لم يزل صائحا عليها ما عاش، و لم يشبع بعدها أبدا بطعم، بل ينال منه ما يمسك رمقه، إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك ينال منه يسيرا.
و في الكامل، و شعب الإيمان للبيهقي، أن نافع بن الأزرق، سأل ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، فقال: سليمان عليه السلام، مع ما خوله اللّه من الملك و أعطاه، كيف عنى بالهدهد مع صغره؟فقال له ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: إنه احتاج إلى الماء، و الهدهد كانت الأرض له كالزجاج كما تقدم. فقال ابن الأزرق لابن عباس: قف يا وقاف كيف يبصر الماء من تحت الأرض، و لا يرى الفخ إذا غطى له بقدر أصبع من تراب؟فقال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: إذا نزل القضاء عمي البصر و أنشدوا في ذلك لأبي عمرو الزاهد:
إذا أراد اللّه أمرا بامرئ # و كان ذا عقل و رأي و بصر
و حيلة يفعلها في دفع ما # يأتي به محتوم أسباب القدر
غطى عليه سمعه و عقله # و سله من ذهنه سلّ الشعر
حتى إذا أنفذ فيه حكمه # رد عليه عقله ليعتبر
و نافع ابن الأزرق هو رأس فرقة من الخوارج، يقال لها الأزارقة، يكفرون علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه إذ حكم، و هو قبل التحكيم عندهم إمام عدل، و يكفرون الحكمين أبا موسى و عمرا. و يرون قتل الأطفال و لا يقيمون الحدود على من قذف محصنا، و يقيمونها على قذف المحصنات و غير ذلك من الأقوال. و أنشد أبو الشيص [١] في صفة الهدهد [٢] :
لا تأمنن على سري و سرّكم # غيري و غيرك أو طي القراطيس
أو طائر سوف أجليه و أنعته # ما زال صاحب تنقير و تدريس
سود براثنه ميل ذوائبه # صفر حمالقه في الحسن مغموس
البراثن بالباء الموحدة و بالثاء المثلثة و بالنون في آخره: اظفاره، و الذوائب ريشه، و الحمالق الأجفان.
قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، صاحب دمية القصر، و هي ذيل يتيمة الدهر، قتل سنة سبع و ستين و أربعمائة:
لا تنكري يا عز إن ذلّ الفتى # ذو الأصل و استعلى خسيس المحتد
إنّ البزاة رءوسهن عواطف # و التاج معقود برأس الهدهد
[١] أبو الشيص: محمد بن علي بن عبد اللّه بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي. شاعر مطبوع كوفي. مات سنة ١٩٦ هـ.
[٢] عيون الأخبار: ١/١٠٠.