حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٢ - و حكى
تعرف ما يراد بك و لم يأن لك ذلك فأمسك عنها فلما كان ذات يوم، خرج إلى الجبل ليحتطب، و معه دابة، فنزل عنها و ربطها، و ذهب فجمع الحطب و رجع، فوجد السبع قد افترسها، فجعل يده في رقبة السبع، و قال له: يا كلب اللّه تأكل دابتي و حق سيدي لأحملنك الحطب كما تعديت على دابتي، فحمل على ظهره الحطب و هو طائع لأمره حتى وصل به إلى دار أمه فقرع عليها الباب ففتحت له و قالت لما رأت ذلك: يا بني أما الآن فقد صلحت لخدمة الملك اذهب للّه عز و جل فودعها و ذهب.
روى صاحب مناقب الأبرار عن شاه الكرماني أنه خرج إلى الصيد و هو ملك كرمان، فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا شاب راكب على سبع و حوله سباع كثير فلما رأته السباع، ابتدرت نحوه فنحاها الشاب عنه فبينما هو كذلك، إذ أقبلت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب و دفع باقيه إلى شاه فشرب و قال: ما شربت شيئا ألذ منه و لا أعذب، ثم غابت العجوز فقال الشاب: هذه الدنيا و كلها اللّه تعالى بخدمتي فما احتجت إلى شيء إلا أحضرته إلى حين يخطر ببالي، فعجب شاه من ذلك، فقال له: أبلغك أن اللّه تعالى لما خلق الدنيا قال لها:
يا دنيا من خدمني فاخدميه، و من خدمك فاستخدميه. ثم وعظه وعظا حسنا، فكان ذلك سبب توبته.
و في الإحياء في عجائب القلب عن ابراهيم الرقي قال: قصدت أبا الخير الديلمي التيناتي مسلما عليه فصلى صلاة المغرب، و لم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي فلما أصبح الصباح خرجت إلى الطهارة فقصدني السبع فعدت إليه و قلت: إن السبع قد قصدني فخرج و صاح على الأسد و قال: أ لم أقل لك لا تتعرض لأضيافي؟فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال: أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، و نحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد و قد أنشدنا شيخنا الامام العلامة جمال الدين بن عبد اللّه بن أسد اليافعي لنفسه:
هم الأسد ما الأسد الأسود تهابهم # و ما النمر ما أظفار فهد و نابه
و ما الرمي بالنشاب ما الطعن بالقنا # و ما الضرب بالماضي الكمي ما ذبابه
لهم همم للقاطعات قواطع # لهم قلب أعيان المراد انقلابه
لهم كلّ شيء طائع و مسخّر # فلا قط يعصيهم بل الطوع دابه
من اللّه خافوا لا سواه فخافهم # سواه جمادات الورى و دوابه
لقد شمروا في نيل كلّ عزيزة # و مكرمة مما يطول حسابه
إلى أن جنوا ثمر الهوى بعد ما جنى # عليهم و صار الحب يطول عذبا عذابه
و في الخبر قيل: أوحى اللّه تبارك و تعالى إلى داود عليه السلام يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري، معناه خفني لا وصفا في المخوفة من العزة و العظمة و الكبرياء و الجبروت و القهر و شدة البطش، و نفوذ الأمر، كما تخاف السبع الضاري لشدة بدنه و عبوسة وجهه، و شبوك أنيابه، و قوة براثنه، و جراءة قلبه، و سرعة غضبه، و بغتات وثبه، و فظيع بطشه، و دواعي ضراوته، لا أجلب عليه شرا و لا عصيت له أمرا، فيا أخي خف اللّه حق خوفه، و اترك السوى فمن خاف اللّه حق