حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٥١٥ - الهدهد
الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز و استصحب من الجن و الإنس و الشياطين و الطير و الوحش، ما بلغ من عسكره مائة فرسخ، فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم، أقام به ما شاء اللّه أن يقيم، و كان ينحر كل يوم، طول مقامه بمكة خمسة آلاف ناقة، و يذبح خمسة آلاف ثور، و عشرين ألف شاة، و أنه قال لمن حضره من أشراف قومه:
إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي من صفته كذا و كذا و يعطى النصر على من ناوأه، و تبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب و البعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في اللّه لومة لائم. قالوا: فبأي دين يدين يا نبي اللّه؟قال: بدين الحنيفية، و طوبى لمن أدركه و آمن به قالوا: فكم بيننا و بين خروجه يا نبي اللّه؟قال: مقدار ألف عام، فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء و خاتم الرسل.
و أقام سليمان عليه السلام بمكة، حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا، و سار نحو اليمن، فوافى صنعاء وقت الزوال، و ذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها، فأحب النزول فيها ليصلي و يتغدى، فلما نزل، قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، فنظر إلى طول الدنيا و عرضها، يمينا و شمالا، فرأى بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا هو بهدهد من هداهد اليمن، فهبط عليه، و كان اسم هدهد سليمان يعفور، فقال هدهد اليمن ليعفور: من أين أقبلت و أين تريد؟قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليهما السلام فقال: و من سليمان؟قال: ملك الجن و الإنس و الشياطين و الطير و الوحش و الريح، و ذكر له من عظمة ملك سليمان و ما سخر اللّه له من كل شيء، فمن أين أنت؟فقال له الهدهد الآخر: أنا من هذه البلاد، و وصف له ملك بلقيس، و أن تحت يدها اثني عشرة ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، ثم قال: فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ فقال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة، إذا احتاج إلى الماء فقال الهدهد الثاني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فمضى معه و نظر إلى ملك بلقيس، و ما رجع إلى سليمان إلا بعد العصر.
و كان سليمان قد نزل على غير ماء، فسأل الإنس و الجن و الشياطين عن الماء؟فلم يعلموا له خبرا فتفقد الطير، ففقد الهدهد، فدعا عريف الطير و هو النسر، فسأله عن الهدهد فلم يجد عنده علمه، فغضب سليمان عليه السلام عند ذلك، و قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً [١] الآية. ثم دعا بالعقاب و هو سيد الطير، فقال له: علي بالهدهد الساعة، فارتفع في الهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة في يد الرجل، ثم التفت يمينا و شمالا، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض عليه العقاب يريده، فناشده اللّه، و قال: أسألك بحق الذي قواك و أقدرك علي إلا ما رحمتني، و لم تتعرض لي بسوء، فتركه ثم قال له: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي اللّه قد حلف ليعذبنك أو يذبحنك!فقال الهدهد: أ و ما ستثنى نبي اللّه قال: بلى، قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ [٢] قال الهدهد: قد نجوت إذا. ثم طار الهدهد و العقاب، حتى أتيا سليمان عليه السلام، فلما قرب منه
[١] سورة النمل: آية ٢١.
[٢] سورة النمل: آية ٢١.