حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٨٦ - النعام
انكسرت له إحداهما، استعان بالأخرى في نهوضه و حركته، ما خلا النعامة فإنها تبقى في مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا قال [١] الشاعر:
إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد # على أختها نهضا و لا بأستها حبوا
و ليس للنعام حاسة السمع، و لكن له شم بليغ، فهو يدرك بأنفه، ما يحتاج فيه إلى السمع، فربما شم رائحة القناص من بعد، و لذلك تقول العرب: «هو أشم [٢] من نعامة» ، كما تقول: «هو أشم [٣] من ذرة» . قال ابن خالويه، في كتابه: ليس في الدنيا حيوان لا يسمع و لا يشرب الماء أبدا إلا النعام. و لا مخ له و متى دميت رجل واحدة له لم ينتفع بالباقية. و الضب أيضا لا يشرب، و لكنه يسمع. و من حمقها أنها إذا أدركها القناص أدخلت رأسها في كثيب رمل، تقدر أنها قد استخفت منه، و هي قوية الصبر على ترك الماء، و أشد ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح، و كلما اشتد عصوفها، كانت أشد عدوا و تبتلع العظم الصلب و الحجر و المدر و الحديد فتذيبه و تميعه كالماء.
قال الجاحظ: من زعم أن جوف النعام إنما يذيب الحجارة، لفرط الحرارة، فقد أخطأ.
و لكن لا بد مع الحرارة من غرائز أخر، بدليل أن القدر يوقد عليها الأيام و لا تذيب الحجارة. و كما أن جوفي الكلب و الذئب يذيبان العظم، و لا يذيبان نوى التمر، و كما أن الإبل تأكل الشوك و تقتصر عليه، و إن كان شديدا كالسمر، و هو شجر أم غيلان، و تلقيه روثا، و إذا أكلت الشعير ألقته صحيحا انتهى.
و إذا رأت النعامة في أذن صغير لؤلؤة أو حلقة اختطفتها. و تبتلع الجمر فيكون جوفها هو العامل في إطفائه و لا يكون الجمر عاملا في إحراقه، و في ذلك أعجوبتان إحداهما التغذي بما لا يتغذى به، و الثانية الاستمراء و الهضم، و هذا غير منكر، لأن السمندل يبيض و يفرخ في النار كما تقدم. و أما قول الحريري في المقامة السادسة: فقلدوه في هذا الأمر الزعامة، تقليد الخوارج أبا نعامة. فأبو نعامة هو قطري بن الفجاءة و اسمه جعونة بن مازن المازني الخارجي، خرج زمن مصعب بن الزبير فبقي عشرين سنة يقاتل و يسلم عليه بالخلافة، و كان كلما سير إليه الحجاج جيشا يستظهر قطري عليه. و يروى أن شخصا قال للحجاج: أيها الأمير، فقال الحجاج: إنما الأمير قطري بن الفجاءة، الذي إذا ركب، ركب لركوبه عشرون ألفا لا يسألونه أين يريد!و كان قطري مقداما لا يهاب الموت، و في ذلك يقول مخاطبا لنفسه و هي من أبيات الحماسة [٤] :
أقول لها و قد طارت شعاعا # من الأبطال ويحك لا تراعي
لأنك لو سألت بقاء يوم # على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا # فما نيل الخلود بمستطاع
و لا ثوب البقاء بثوب عزّ # فيطوى عن أخي الخنع اليراع
[١] عيون الأخبار: ٢/١٠٠.
[٢] جمهرة الأمثال: ١/٤٥٨.
[٣] جمهرة الأمثال: ١/٤٥٨.
[٤] ديوان الحماسة: ١/٢٤.