حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٨٥ - النعام
لعن اللّه أعظما حملوها # نحو دار البلى على خشبات
أعظما تبغض النبي و أهل # البيت و الطيبين و الطيبات
قال: ثم حدثني [١] أبو العالية الشاعر و أنشدني لنفسه أيضا:
لا درّ درّ نبات الأرض إذ فجعت # بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى # في الناس منه و لا من علمه خلفا
و كانت وفاة الأصمعي في سنة ست عشرة مائتين بالبصرة.
و النعام، عند المتكلمين على طبائع الحيوان، ليست بطائر و إن كانت تبيض، و لها جناح و ريش، و يجعلون الخفاش طيرا، و إن كان يحبل و يلد، و له أذنان بارزتان، و ليس له ريش لوجود الطيران فيه، و مراعاة لقوله تعالى: وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي [٢] و هم يسمون الدجاجة طيرا، و إن كانت لا تطير. و ظن بعض الناس، أن النعامة متولدة من جمل و طائر، و هذا لا يصح. و من أعاجيبها أنها تضع بيضها طولا، بحيث لو مد عليها خيط، لاشتمل على قدر بيضها، و لم تجد لشيء منه خروجا عن الآخر، ثم إنها تعطي كل بيضة منه نصيبها من الحضن، إذ كان كل بدنها لا يشتمل على عدد بيضها. و هي تخرج لعدم الطعم، فإن وجدت بيض نعامة أخرى، تحضنه و تنسى بيضها، و لعلها أن تصاد فلا ترجع إليه، و لهذا توصف بالحمق، و يضرب بها المثل في ذلك قال [٣] ابن هرمة:
فإني و تركي ندى الأكرمين # و قد حي بكفي زنادا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء # و ملبسة بيض أخرى جناحا
و يقال إنها تقسم بيضها أثلاثا: فمنه ما تحضنه، و منه ما تجعل صفاره غذاء، و منه ما تفتحه و تجعله في الهواء حتى يتعفن، و يتولد منه دود، فتغذي بها فراخها إذا خرجت.
قال في الكفاية: يقال عار الظليم إذا صاح، و الزمار صياح الأنثى. و قال ابن قتيبة: يقال عريعر للذكر، و الأنثى زمر زمارا انتهى. و قد سمى الحريري، في المقامات، النعامة باسم صوتها. فقال: ما تقول فيمن أتلف زمارة في الحرم؟قال: عليه بدنة من النعم.
روي عن كعب الأحبار قال: لما أهبط اللّه تعالى آدم عليه الصلاة و السلام، جاءه ميكائيل بشيء من حب الحنطة، و قال: هذا رزقك، و رزق أولادك من بعدك، قم فاحرث الأرض، و ابذر الحب. قال: و لم يزل الحب من عهد آدم عليه السلام، إلى زمن إدريس عليه السلام، كبيضة النعامة، فلما كفر الناس نقص إلى بيضة الدجاجة، ثم إلى بيضة الحمامة، ثم إلى قدر البندقة.
و كان في زمن العزيز على قدر الحمصة.
و النعام من الحيوان الذي يزاوج و يعاقب الذكر و الأنثى في الحضن، و كل ذي رجلين، إذا
[١] وفيات الأعيان: ٣/١٧٦.
[٢] سورة المائدة: آية ١١٠.
[٣] الحيوان للجاحظ: ١/١٩٩.