حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٣٦ - الليث
مقتدرا، فقال له الحجاج بن يوسف: إنا قاذفون بك في جب ليث، فإن هو قتلك كفانا مئونتك، و إن أنت قتلته خلينا عنك و أحسنا جائزتك!قال: نعم، أصلح للّه الأمير قربت المحنة، و أعظمت المنة، أنت أهل ذلك، إذا شئت فأمر به. فقيد و حبس.
و كتب إلى عامله على كسكر يأمره بالبعثة إليه بأسد ضار، فبعث إليه بأسد قد أضر بأهل كسكر، في صندوق يجره ثوران، فلما قدم به على الحجاج، أمر به فأدخل في جب و سد بابه و جوعه ثلاثة أيام، ثم أتى بجحدر و أمكن من سيف قاطع، و جلس الحجاج و الناس ينظرون إليهما فلما نظر الأسد إلى جحدر، و قد أقبل و معه السيف يرسف في قيوده، تهيأ و تمطى فأنشد جحدر يقول:
ليث و ليث في مجال ضنك # كلاهما ذو أنف و فتك [١]
و سورة في وصلة و محك # أن يكشف اللّه قناع الشك
من ظفري بحاجتي و دركي # فذاك أحرى منزل بترك
فوثب إليه الأسد وثبة شديدة فتلقاه جحدر بالسيف، فضرب هامته ففلقها حتى خالط ذباب السيف لهواته، و تخضبت ثيابه من دمه، فوثب و هو يقول:
يا جمل إنك لو رأيت كريهتي # في يوم هيج مسدف و عجاج [٢]
و تقدمي لليث أرسف موثقا # كيما أكابره على الإحراج
جهم كأن جبينه لما بدا # طبق الرحا متعجّر الأثباج
يسمو بناظرتين تحسب فيهما # لما أجالهما شعاع سراج
فكأنما خيطت عليه عباءة # برقاء أو قطع من الديباج
قرنان مختصران قد مخضتهما # أمّ المنية غير ذات نتاج
ففلقت هامته فخر كأنه # أطم تساقط مائل الأبراج [٣]
ثم انثنيت و في ثيابي شاهد # مما جرى من شاخب الأوداج [٤]
أيقنت أني ذو حفاظ ماجد # من نسل أملاك ذوي أتواج
مما يغار على النساء حفيظة # إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
فقال له الحجاج: يا جحدر إن أحببت المقام معنا فأقم، و إن أحببت الانصراف إلى بلادك فانصرف. فقال: بل أختار صحبة الأمير و الكينونة معه، ففرض له في شرف العطاء، و أقام ببابه فكان من خواص أصحابه. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الهاء في الهزبر ما قاله بشر بن أبي عوانة [٥] ، لما قتل الأسد، و قد أحسن إبراهيم بن محمد المغربي رحمه اللّه حيث قال:
[١] الضنك: الضيق.
[٢] العجاج: الغبار.
[٣] الهامة: الرأس، أو القامة.
[٤] الأوداج: عروق الرقبة.
[٥] بشر بن عوانة العبدي، شاعر ذكره بديع الزمان الهمذاني و جعله بطلا لقصة قتل الأسد. و يبدو أنّ هذا الاسم وهمي و لا وجود له على الحقيقة.