حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٤٣٥ - الليث
و كان أهل حمص ينتقصون عليا رضي اللّه تعالى عنه، حتى نشأ فيهما اسماعيل بن عياش [١]
فحدثهم بفضائل علي رضي اللّه تعالى عنه فكفوا عن ذلك.
و حج الليث، فقدم المدينة فبعث إليه الإمام مالك بن أنس بطبق رطب، فجعل على الطبق ألف دينار و رده إليه، و كان الليث رحمه اللّه يستغل في كل سنة عشرين ألف دينار فينقفها و ما وجبت عليه زكاة قط. و قالت له امرأة: يا أبا الحارث إن لي ابنا عليلا و اشتهى عسلا، فقال: يا غلام اعطها مطرا من عسل، و المطر مائة و عشرون رطلا. فقيل له في ذلك، فقال: سألت على قدر حاجتها، و نحن أعطيناها على قدر نعمتنا. و اشترى قوم منه ثمره ثم استقالوه، فأقالهم و أعطاهم خمسين دينارا، و قال: إنهم كانوا قد أملوا فيها أملا فأحببت أن أعرضهم عن أملهم.
و كان رضي اللّه تعالى عنه حنفي المذهب، و ولي القضاء بمصر و توفي بها في شعبان سنة خمس و سبعين و مائة. و قبره في القرافة الصغرى مشهور. و قلقشنده بفتح القاف و لام و قاف و شين معجمة مفتوحة و نون ساكنة و دال مهملة و هاء آخرها بينها و بين مصر مقدار ثلاثة فراسخ كذا قاله ابن خلكان.
و حكى: عبد اللّه بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: كان بأرض اليمامة رجل من ربيعة يقال له جحدر بن مالك العجلي، و كان شاعرا فحلا فاتكا قد أمر على أهل حجر و ما يليها، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عامله على اليمامة يوبخه و يلومه على تغلب جحدر في ولايته و يأمره بالتجرد في طلبه و البعث به إليه، إن ظفر به. فلما أتى العامل كتابه دس إليه فتية من قومه، و وعدهم أن يوفدهم معهم، فمكثوا لذلك أياما حتى إذا أصابوا منه غرة شدوا عليه فأوثقوه، و قدموا به على العامل. فبعث به إلى الحجاج فلما جاوزوا بجحدر حجرا أنشأ يقول:
لقد ما هاجني فازددت شوقا # بكاء حمامتين تغردان
تجاوبتا بلحن أعجمي # على غصنين من غرب و بان
فقلت لصاحبي و كنت أحزو # ببعض القول ما ذا تحزوان
فقالا: الدار جامعة قريبا # فقلت و أنتما متمنيان
فكان البان أن بانت سليمى # و في الغرب اغتراب غير دان
إذا جاوزتما نخلات حجر # و أندية اليمامة فانعياني
و قولا جحدر أمسى رهينا # يعالج وقع مصقول يماني
كذا المغرور بالدنيا سيردى # و تهلكه المطامع و الأماني
فلما قدم به على الحجاج، قال له: أنت جحدر؟قال: نعم، أصلح اللّه الأمير. قال: فما حملك على ما صنعت؟قال: جراءة الجنان، و كلب الزمان، و جفوة السلطان. قال: و ما الذي بلغ من أمرك فيجرأ جنانك، و يكلب زمانك و يجفوك سلطانك؟قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، و أهم الفرسان، و أما جراءة جناني فإني لم ألق فارسا قط، إلا كنت عليه في نفسي
[١] ابن عياش: إسماعيل بن عياش بن سليم العنبسي، عالم الشام و محدّثها. مات سنة ١٨٢ هـ.