حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٨٠ - الكلب
ندماؤه فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته، فأكلا و شربا ثم اضطجعا، فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين. فعرف الأمر فأنشأ يقول:
و ما زال يرعى ذمتي و يحوطني # و يحفظ عرسي و الخليل يخون [١]
فيا عجبا للخلّ يهتك حرمتي # و يا عجبا للكلب كيف يصون
و ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي في بعض مصنفاته، أن رجلا خرج في بعض أسفاره فمر على قبة مبنية أحسن بناء، بالقرب من ضيعة هناك، و عليها مكتوب: من أحب أن يعلم سبب بنائها، فليدخل القرية. فدخل القرية، و سأل أهلها عن سبب بناء القبة، فلم يجد عند أحد خبرا من ذلك، إلى أن دل على رجل قد بلغ من العمر مائتي سنة، فسأله فأخبره عن أبيه أنه حدثه أن ملكا كان بتلك الأرض، و كان له كلب لا يفارقه في سفر و لا حضر، و لا نوم و لا يقظة، و كانت له جارية خرساء مقعدة، فخرج ذات يوم إلى بعض منتزهاته و أمر بربط الكلب لئلا يذهب معه، و أمر طباخه أن يصنع له طعاما من اللبن كان يهواه، و أن الطباخ صنعه و جاء به فوضعه عند الجارية و الكلب و تركه مكشوفا، و ذهب فأقبلت حية عظيمة إلى الإناء، فشربت من ذلك الطعام وردته و ذهبت.
ثم أقبل الملك من منتزهه، و أمر بالطعام فوضع بين يديه، فجعلت الجارية تصفق بيديها، و تشير إلى الملك أن لا يأكله فلم يعلم أحد ما تريد، فوضع الملك يده في الصفحة، و جعل الكلب يعوي و يصيح، و يجذب نفسه من السلسلة، حتى كاد أن يقتل نفسه، فتعجب الملك من ذلك و أمر بإطلاقه فأطلق فغدا إلى الملك و قد رفع يده باللقمة إلى فيه فوثب الكلب و ضربه على يده فأطار اللقمة منها فغضب الملك، و أخذ خنجرا كان بجنبه، و هم أن يضرب به الكلب، فأدخل الكلب رأسه في الإناء، و ولغ من ذلك الطعام، فانقلب على جنبه و قد تناثر لحمه. فعجب الملك ثم التفت إلى الجارية، فأشارت إليه بما كان من أمر الحية. ففهم الملك الأمر و أمر بإراقة الطعام، و تأديب الطباخ على كونه ترك الإناء مكشوفا، و أمر بدفن الكلب و ببناء القبة عليه، و بتلك الكتابة التي رأيتها. قال: و هي من أغرب ما يحكى.
و في كتاب النشوان عن أبي عثمان المديني، أنه قال: كان في بغداد رجل يلعب بالكلاب، فتركه و مشى حتى انتهى إلى قوم كان بينه و بينهم عداوة، فصادفوه بغير عدة فقبضوا عليه، و الكلب يراهم، فأدخلوه الدار و دخل الكلب معهم فقتلوا الرجل و ألقوه في بئر و طموا رأس البئر، و ضربوا الكلب، فأخرجوه و طردوه، فخرج يسعى إلى بيت صاحبه فعوى فلم يعبئوا به، و افتقدت أم الرجل ابنها، و علمت أنه قد تلف، فأقامت عليه المأتم و طردت الكلاب عن بابها، فلزم ذلك الكلب الباب و لم ينطرد فاجتاز يوما بعض قتلة صاحبه بالباب، و الكلب رابض، فلما رآه وثب عليه، فخمش ساقه و نهشه و تعلق به، و اجتهد المجتازون في تخليصه منه، فلم يمكنهم، و ارتفعت للناس ضجة عظيمة، و جاء حارس الدرب و قال: لم يتعلق هذا الكلب بالرجل إلا و له معه قصة؟
[١] العرس: الزوجة.