حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٣٧٩ - الكلب
و تعلوهما غشاوة، و تسترخي أذناه، و يندلع لسانه و يكثر لعابه، و سيلان أنفه، و يطأطئ رأسه و ينحدب ظهره، و يتعوج صلبه إلى جانب، و لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه و يمشي خائفا مغموما كأنه سكران، و يجوع فلا يأكل، و يعطش فلا يشرب، و ربما رأى الماء فيفزع منه، و ربما يموت منه خوفا، و إذا لاح له شبح حمل عليه من غير نبح، و الكلاب تهرب منه، فإن دنا منها غفلة، بصبصت له و خضعت، و خشعت بين يديه، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له أمراض رديئة، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا، و لا يزال يستقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه، فإذا استحكمت هذه العلة به، فقعد للبول خرج منه شيء على هيئة الكلاب الصغار.
قال صاحب الموجز في الطب: الكلب حالة كالجذام تعرض للكلب و الذئب و ابن آوى و ابن عرس و الثعلب، ثم ذكر غالب ما تقدم، و قال غيره: الكلب جنون يصيب الكلاب فتموت و تقتل كل شيء عضته إلا الإنسان، فإنه قد يعالج فيسلم. قال: و داء الكلب يعرض للحمار و يقع في الإبل أيضا، فيقال: كلبت الإبل تكلب كلبا و أكلب القوم إذا وقع في إبلهم. و يقال: كلب الكلب و استكلب، إذا ضرى، و تعود أكل الناس انتهى.
و ذكر القزويني، في عجائب المخلوقات، أن بقرية من أعمال حلب بئرا، يقال لها بئر الكلب، إذا شرب منها من عضه الكلب برئ، و هي مشهورة. قال: و قد أخبرني بعض أهل القرية، أن المكلوب إذا لم يجاوز أربعين يوما، و شرب منها برئ أما إذا جاوز الأربعين فإنه يموت و لو شرب منها. و ذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين، شربوا منها فسلم اثنان، و كانا لم يبلغا الأربعين، و مات الثالث و كان قد جاوز الأربعين. و هذه البئر يشرب منها أهل الضيعة.
و أما السلوقي فمن طباعه أنه إذا عاين الظباء قريبة منه أو بعيدة عرف المقبل من المدبر، و مشي الذكر من مشي الأنثى، و يعرف الميت من الناس و المتماوت، حتى إن الروم لا تدفن ميتا حتى تعرضه على الكلاب، فيظهر لهم من شمها إياه علامة تستدل بها على حياته أو موته، و يقال:
إن هذا لا يوجد إلا في نوع منها يقال له القلطي، و هو صغير الجرم قصير القوائم جدا، و يسمى الصيني. و إناث السلوقي أسرع تعلما من الذكور، و الفهد بالعكس كما تقدم، و السود من الكلاب أقل صبرا من غيرها.
و في كتاب فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، لمحمد بن خلف المرزبان [١] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي اللّه تعالى عنه، قال: رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم رجلا قتيلا، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «ما شأنه» ؟قالوا: إنه وثب على غنم بني زهرة، فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال صلى اللّه عليه و سلم: «قتل نفسه، و أضاع ديته، و عصى ربه، و خان أخاه و كان الكلب خيرا منه» .
و قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: كلب أمين خير من صاحب خئون. قال: و كان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم، و كان شديد المحبة لهم، فخرج في بعض منتزهاته، و معه
[١] محمد بن خلف المرزبان بن بسام، أبو بكر المحوّلي، مؤرخ مترجم أديب بغدادي. مات سنة ٣٠٩ هـ.