حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٩٦ - الحكم
تنزيه لا كراهة تحريم. و استدلوا بما في سنن أبي داود و النسائي و ابن ماجة أن النبي صلى اللّه عليه و سلم «نهى عن أكل لحوم الخيل و البغال و الحمير» [١] ، لقوله [٢] تعالى: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً و قال صاحب الهداية من الحنفية: فإن قلت الآية خرجت مخرج الامتنان، و الأكل من أعلى منافعها، و الحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم و يمتن بأدناها.
قلت: الجواب أن الآية خرجت مخرج الغالب لأن الغالب في الخيل إنما هو الزينة، و الركوب دون الأكل، كما خرج قوله [٣] صلى اللّه عليه و سلم: «و ليستنج بثلاثة أحجار» ، مخرج الغالب لأن الغالب أن الاستنجاء لا يقع إلا بالأحجار انتهى.
و قال الشافعي و من وافقه: ليس المراد من الآية بيان التحليل و التحريم، بل المراد منها تعريف اللّه عباده نعمه و تنبيههم على كمال قدرته و حكمته، و أما الحديث الذي استدل به أبو حنيفة و مالك و من وافقهما، فقال الإمام أحمد: ليس له إسناد جيد و فيه رجلان لا يعرفان و لا ندع الأحاديث الصحيحة لهذا الحديث.
و قد روى [٤] الشيخان عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: «نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية و أذن في لحوم الخيل» . و في لفظ «أطعمنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لحوم الخيل و نهانا عن لحوم الحمر الأهلية» . رواه الترمذي و صححه. و في لفظ «سافرنا، يعني مع النبي صلى اللّه عليه و سلم، فكنا نأكل لحوم الخيل، و نشرب ألبانها» .
و في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهما أنها قالت [٥] : نحرنا فرسا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأكلناها. و في رواية: و نحن بالمدينة. و في مسند الإمام أحمد: نحرنا فرسا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأكلناها نحن و أهل بيته. و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: إن الفرس إذا التقت الفئتان تقول: سبوح قدوس رب الملائكة و الروح، و لذلك كان له من الغنيمة سهمان.
و كذلك رواه عبد اللّه بن عمر بن حفص بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما عن النبي صلى اللّه عليه و سلم. و لا يعطى إلا لفرس واحد عربيا كان أو غير عربي، لأن اللّه سبحانه و تعالى قال [٦] : وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبََاطِ اَلْخَيْلِ و لم يفرق بين عربي و غيره، و لم يرد في شيء من الأحاديث تفرقة، بل الجمع مثل قوله [٧] صلى اللّه عليه و سلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» الأجر و الغنيمة. و قال الإمام أحمد: لما سوى العربي سهم و للعربي سهمان لأثر ورد في ذلك عن عمر رضي اللّه تعالى عنه لكنه لم يصح عنه. و لا يعطى لفرس أعجف و ما لا غناء به، لأنه كل على صاحبه.
[١] رواه أبو داود: أطعمة ٢٥. و النسائي صيد ٣٠. ابن ماجة ذبائح ١٤. و ابن حنبل ٣/٣٥٦.
[٢] سورة النحل: آية ٨.
[٣] رواه البخاري: وضوء ٢١، و مسلم: طهارة ٥٧، ٥٨.
[٤] رواه البخاري: جهاد ٣٠ و مسلم: صيد ٢٦.
[٥] رواه البخاري: ذبائح ٢٤. النسائي: ضحايا ٣٣.
[٦] سورة الأنفال: آية ٦٠.
[٧] رواه البخاري: مناقب ٢٨. و مسلم زكاة ٢٥.