حياة الحيوان الكبري - الدميري - الصفحة ٢٩٤ - تتمة
مني إليك، أعلمك بالشوق الشديد إليك، و قد علمت يا أبا عبد اللّه ما جاء في فضل زيارة المؤمن و مواصلته، فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل. ثم أعطى الكتاب لعباد الطالقاني، و أمره بايصاله إليه و أن يحصي عليه بسمعه و قلبه، دقيق أمره و جليله، ليخبره به.
قال عباد: فانطلقت إلى الكوفة، فوجدت سفيان في مسجده، فلما رآني على بعد، قام و قال: أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم و أعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير، قال: فنزلت عن فرسي بباب المسجد، فقام يصلي و لم يكن وقت صلاة، فدخلت و سلمت فما رفع أحد من جلسائه رأسه إلي، قال: فبقيت واقفا و ما منهم أحد يعرض علي الجلوس، و قد علتني من هيبتهم الرعدة، فرميت بالكتاب إليه، فلما رأى الكتاب، ارتعد و تباعد منه، كأنه حية عرضت له في محرابه، فركع و سجد و سلم، و أدخل يده في كمه، و أخذه و قلبه بيده، و رماه إلى من كان خلفه، و قال: ليقرأ بعضكم فإني أستغفر اللّه أن أمس شيئا مسه ظالم بيده. قال عباد: فمد بعضهم يده إليه، و هو يرتعد كأنه حية تنهشه، ثم قرأه فجعل سفيان يبتسم تبسم المتعجب، فلما فرغ من قراءته، قال: اقلبوه و اكتبوا للظالم على ظهره، فقيل له: يا أبا عبد اللّه إنه خليفة، فلو كتبت إليه في بياض نقي لكان أحسن، فقال: اكتبوا للظالم في ظهر كتابه، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به، و إن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به، و لا يبقى شيء مسه ظالم بيده عندنا فيفسد علينا ديننا!فقيل له: ما نكتب إليه؟قال: اكتبوا له:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، من العبد الميت سفيان، إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سلب حلاوة الإيمان، و لذة قراءة القرآن، أما بعد، فإني كتبت إليك أعلمك أني قد صرمت حبلك، و قطعت ودك، و إنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه و أنفذته بغير حكمه و لم ترض بما فعلته و أنت ناء عني، حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك، فأما أنا قد شهدت عليك، أنا و إخواني الذين حضروا قراءة كتابك، و سنؤدي الشهادة غدا بين يدي اللّه الحكم العدل، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم، و العاملون عليها في أرض اللّه، و المجاهدون في سبيل اللّه، و ابن السبيل؟أم رضي بذلك حملة القرآن، و أهل العلم يعني العاملين، أم رضي بفعلك الأيتام و الأرامل، أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟فشد يا هارون مئزرك، و أعد للمسألة جوابا، و للبلاء جلبابا، و اعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فاتق اللّه في نفسك، إذ سلبت حلاوة العلم و الزهد، و لذة قراءة القرآن، و مجالسة الأخيار، و رضيت لنفسك أن تكون ظالما، و للظالمين إماما، يا هارون قعدت على السرير، و لبست الحرير، و أسبلت ستورا دون بابك، و تشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك و سترك، يظلمون الناس و لا ينصفون، و يشربون الخمر و يحدون الشارب، و يزنون و يحدون الزاني، و يسرقون و يقطعون السارق، و يقتلون و يقتلون القاتل، أ فلا كانت هذه الأحكام عليك و عليهم، قبل أن يحكموا بها على الناس!فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل اللّه:
احشروا الظلمة و أعوانهم!؟فتقدمت بين يدي اللّه و يداك مغلولتان إلى عنقك، لا يفكهما إلا عدلك و انصافك، و الظالمون حولك و أنت لهم إمام أو سائق إلى النار، و كأني بك يا هارون و قد