الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٨٨ - لماذا تقديم الأقرأ؟
أكثرهم قرآنا يفترض به أن يكون هو الأكثر وعيا و بصيرة في أمره، و من ثم يكون إخلاصه للقضية التي يقاتل من أجلها أشد، و ارتباطه بها أعمق. و كلما كان العمل أكثر إخلاصا للّه، كلما كانت قيمته أغلى؛ و ثمنه أغلى، لأنه يستمد قيمته هذه من مدى اتحاده بذلك الهدف، و فنائه فيه.
بل نجد أنه «صلى اللّه عليه و آله» يتجاوز ذلك، إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يبعث بعثا و هم ذوو عدد، فاستقرأهم؛ ليعرف ما معهم من القرآن؛ فوجد: أن أحدثهم سنا، أكثرهم قرآنا، فأمّره عليهم [١].
فهو «صلى اللّه عليه و آله» يعطي بذلك نظرة الإسلام الصحيحة للعلم و المعرفة الذين يتركان أثرهما الإيجابي حتى بالنسبة لما بعد الموت، و حتى بالنسبة لهؤلاء المتساوين من حيث بذل أغلى ما لديهم في سبيله، و إن لم يكونوا متساوين في درجات معرفتهم، و ثقافتهم، و وعيهم.
و لقد رأينا أنه «صلى اللّه عليه و آله» يقول-كما يروي لنا أبو سلمة-: إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمهم أقرؤهم و إن كان أصغرهم؛ فإذا أمهم فهو أميرهم [٢].
و في هذا دلالة واضحة على أن الملاك في التقديم هو المعرفة الخالصة، التي تؤهل الإنسان لأن يكون أكثر خشية للّه: إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ [٣]. و ليس هو الجمال، أو الجاه، أو المال، أو النسب، أو غير ذلك؛
[١] حياة الصحابة ج ٢ ص ٥٤، و الترغيب و الترهيب ج ٢ ص ٣٥٢، و راجع: المصنف ج ٥ ص ١٦٥ ففيه ما يشير إلى ذلك.
[٢] المصنف للحافظ عبد الرزاق ج ٥ ص ١٦٥.
[٣] الآية ٢٨ من سورة فاطر.