الشعائر الحسينية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٠ - الجنبة الأولى ذات طابع أرضي
هل يمكن إلغاء البعد التاريخي لحياة المعصومين؟
وقد قلنا آنفاً أن هذا لا يقتصر على سيرة سيد الشهداء الحسين (ع)، بل يشمل سيرة سيد الأنبياء محمد (ص)، فما بالهم يتعاطون مع سيرة سيد الأنبياء بصورة تاريخية وبموازين وبأدوات تاريخية، ولا يفعلون ذلك مع سيد الشهداء الحسين (ع)، وهذا الكلام موجهٌ إلى الفَرَق جديدة التأسيس، حيث لا تتعاطى مع السيرة النبوية إلا بأداة فقهية وميزان فقهي أو كلامي، وذلك بحجة التدقيق في المصادر الدينية، النقطة الأولى التي نسجلها عليهم أن جمهورالمسلمين، بل جمهور البشر يتعاطون مع ما يتصل بالأنبياء، والبعثات النبوية، والرسالات، والدين، يتعاطون مع كل هذه المفاهيم بأدوات تاريخية، والحقيقة لا نستطيع أن نلغي المنهج التاريخي لحياة المعصومين.
الموازنة بين الأداة التاريخية والأداة الفقهية والكلامية
إن من الخطأ ومن الإفراط في المنهج إلغاء البعد التاريخي؛ لأنه موجود شئنا أم أبينا، ومن الخطأ أيضاً أن نقصر سيرة المعصومين في البعد التاريخي؛ لأن ذلك سيجعلها سجينة وقتها وزمانها، وسيمنع ذلك أن تنتهل الأجيال من نورها الذي ينير للبشرية وللأجيال من تعاليم ووصايا، ولو جردناها من البعد التاريخي، واقتصرنا على الجانب الوحياني الغيبي الملكوتي هذا أيضاً إغراق وإفراط في المنهج؛ لأن الوحي المجرد من غير تنزيل ونزول لا يمكن أن يخدم البشرية.
لذلك القرآن الكريم يصف الرسل بجنبتين:
الجنبة الأولى ذات طابع أرضي:
قال تعالى: (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ) الكهف: (١١١)، فالصفتان موجودتان في الأنبياء، الصفة البشرية والصفة السماوية المتمثلة في الوحي وهذا البحث ليس مقتصرا على فقه الشعائر الحسينية، بل يشمل فقه السيرة النبوية، وفقه المسائل العقدية حول النبي والأنبياء (ع)، فهناك من يركز الأضواء على البعد البشري والأرضي في الأنبياء والرسل والأئمة، وهذه النظرة فيها حط من شأنهم الكريم؛ لأن القرآن يصفهم بصفتين وليس صفة واحدة، فهو يصف عيسى بن مريم وأمه بأنهما كانا يأكلان الطعام، قال تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ): المائدة: (٧٥). فالأنبياء كانوا بشراً يأكلون الطعام، ويحتاجون لقضاء الحاجة، وما شابه ذلك، وهذه جنبة بشرية وقد كنى القرآن الكريم عن قضاء الحاجة بالأكل والشرب.