إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٢١ - عصبية المال
وَ إِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ، وَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ[١] اَلْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَ اِلْتِصَاقِ كَرَائِمِ اَلْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً، وَ لُحُوقِ اَلْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ اَلصِّيَامِ تَذَلُّلاً، مَعَ مَا فِي اَلزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ اَلْأَرْضِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ اَلْمَسْكَنَةِ وَ اَلْفَقْرِ.
اُنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ اَلْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ اَلْفَخْرِ، وَ قَدْعِ طَوَالِعِ اَلْكِبْرِ! وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ[٢] اَلْجُهَلاَءِ، أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ اَلسُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لاَ عِلَّةٌ. أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ، وَ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَ أَنْتَ طِينِيٌّ.
وَ أَمَّا اَلْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ اَلْأُمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ اَلنِّعَمِ[٣]، فَقالُوا: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوٰالاً وَ أَوْلاٰداً وَ مٰا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)[سبأ -٣٥] فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ اَلْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ اَلْخِصَالِ، وَ مَحَامِدِ اَلْأَفْعَالِ، وَ مَحَاسِنِ اَلْأُمُورِ، اَلَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا اَلْمُجَدَاءُ[٤] وَ اَلنُّجَدَاءُ[٥] مِنْ بُيُوتَاتِ اَلْعَرَبِ وَ يَعَاسِيبِ[٦] اَلقَبَائِلِ؛ بِالْأَخْلاَقِ اَلرَّغِيبَةِ، وَ اَلْأَحْلاَمِ اَلْعَظِيمَةِ، وَ اَلْأَخْطَارِ[٧] اَلْجَلِيلَةِ، وَ اَلْآثَارِ
[١] العِتَاقِ: عتاق الوجوه إمّا من العتق و هو الكرم و الشرف و الجمال و الحريّة و النجابة، قال في القاموس: و العتاق من الخيل النجائب، أو من العتيق و هو الخيار من كلّ شيء، و في بعض النسخ: و عتايق الوجوه، جمع عتيقة، يقال: أمة عتيقة، أي: خارجة عن الرق.
[٢] التَّمْوِيِه: التدليس، يقال: موّهت النحاس أو الحديد تمويهاً، أي: طليته بالذهب أو الفضّة.
[٣] مَوَاقِعِ النِّعَمِ: جمع موقع: اسم مكان و يحتمل المصدر.
[٤] الْمُجَدَاءُ: جمع مجيد مثل فقهاء و فقيه: و هو الرفيع العالي و الكريم الشريف الفعال.
[٥] النُّجَدَاءُ: كفقهاء أيضاً جمع نجيد: و هو الشجاع الماضي فيما يعجز غيره.
[٦] اليَعْسُوبِ: أمير النحل و رئيس القوم.
[٧] الَأخْطارِ: جمع خطر بالتحريك كأسباب و سبب: و هو القدر و المنزلة.