إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢١٨ - الكعبة المقدسة
بِهِمْ، فَكَانَتِ اَلنِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَ اَلْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً. وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ اَلاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَ اَلتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَ اَلْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَ اَلاِسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ، وَ اَلاِسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً، لاَ تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ[١]. وَ كُلَّمَا كَانَتِ اَلْبَلْوَى وَ اَلاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ اَلْمَثُوبَةُ وَ اَلْجَزَاءُ أَجْزَلَ.
أَ لاَ تَرَوْنَ أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ اِخْتَبَرَ اَلْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صلوات الله عليه إِلَى اَلْآخِرِينَ مِنْ هَذَا اَلْعَالَمِ، بِأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَ لاَ تَنْفَعُ، وَ لاَ تُبْصِرُ وَ لاَ تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ اَلْحَرَامَ ا«َلَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً[٢]» ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ[٣] بِقَاعِ[٤] اَلْأَرْضِ حَجَراً، وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ[٥] اَلدُّنْيَا مَدَراً، وَ أَضْيَقِ بُطُونِ اَلْأَوْدِيَةِ قُطْراً. بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَ عُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَ قُرًى مُنْقَطِعَةٍ، لاَ يَزْكُو بِهَا خُفٌّ، وَ لاَ حَافِرٌ وَ لاَ ظِلْفٌ. ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ وَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ[٦] أَسْفَارِهِمْ، وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ. تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ اَلْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ[٧] قِفَارٍ[٨] سَحِيقَةٍ وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى
[١] شَائِبَةٌ: شابه شوباً من باب (قال): خلطه مثل شوب اللبن بالماء فهو مشوب، و قولهم: ليس فيه شائبة، قال الفيومي: ذلك يجوز أن يكون مأخوذاً من هذا و معناه ليس فيه شيء مختلط به، و إن قلّ كما قيل ليس فيه علقة و لا شبهة، و أن تكون فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية، هكذا استعمله الفقهاء نعم قال الجوهري الشائبة واحدة الشوائب، و هي الأدناس و الأقذار.
[٢] قِيَاماً: مصدر وزان صيام.
[٣] أَوْعَرِ: الوعر من الأرض ضدّ السّهل.
[٤] البِقَاعِ: كجبال جمع بقعة بالضمّ و الفتح، و هي القطعة من الأرض على غير هيئة الّتي إلى جنبها.
[٥] النَتائِقِ: جمع نتيقة فعلية بمعنى مفعولة، من النتق و هو الرفع و الجذب. قال الشارح البحراني: و سمّيت المدن و الأماكن المشهورة و المرتفعة نتائق لارتفاع بنائها و شهرتها و علوّها عن غيرها من الأرض، كأنها جذبت و رفعت، و قال بعض الشارحين: النتائق البقاع المرتفعة، و أراد مكّة و كنّى بنتقها عن شهرتها و علوّها بالنسبة إلى ما استفل عنها من البلاد.
و قال الشارح المعتزلي: أصل هذه اللفظة من قولهم امرأة نتاق، أي: كثيرة الحمل و الولادة، و يقال: ضيعة منتاق، أي: كثيرة الريع، فجعل (عليه السّلام) الضياع ذات المدر التي يثار للحرث نتايق، و قال (عليه السّلام): إنّ مكة أقلُها إصلاحاً للزرع لأنّ أرضها حجرية.
[٦] المُنْتَجَعِ: بفتح الجيم اسم مفعول من انتجع القوم إذا ذهبوا لطلب الماء و الكلاء في موضعهما.
[٧] المَفَاوِزِ: المفازة، الموضع المهلك، من فوّز بالتشديد إذا مات، لأنّها مظنّة الموت.
[٨] القِفَارِ: القفر من الأرض الّتي لا نبات بها و لا ماء.