إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٢٦ - سرعة النفاد
[١٨٦]
و من خطبة له عليه السلام
في الوصية بالتّقوى
أُوصِيكُمْ، أَيُّهَا اَلنَّاسُ، بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ كَثْرَةِ حَمْدِهِ، عَلَى آلاَئِهِ إِلَيْكُمْ، وَ نَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ، وَ بَلاَئِهِ لَدَيْكُمْ. فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ، وَ تَدَارَكَكُمْ[١] بِرَحْمَةٍ! أَعْوَرْتُمْ لَهُ[٢] فَسَتَرَكُمْ، وَ تَعَرَّضْتُمْ[٣] لِأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ!.
وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ إِقْلاَلِ اَلْغَفْلَةِ عَنْهُ. وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وَ طَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ! فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ، وَ أُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وَ كَأَنَّ اَلْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً، أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ، وَ أَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ، وَ اِشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا، وَ أَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ اِنْتَقَلُوا، لاَ عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ اِنْتِقَالاً، وَ لاَ فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ اِزْدِيَاداً، أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، وَ وَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ.
فَسَابِقُوا - رَحِمَكُمُ اَللَّهُ - إِلَى مَنَازِلِكُمُ اَلَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا، وَ اَلَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا، وَ دُعِيتُمْ إِلَيْهَا. وَ اِسْتَتِمُّوا نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَ اَلْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ اَلْيَوْمِ قَرِيبٌ. مَا أَسْرَعَ اَلسَّاعَاتِ فِي اَلْيَوْمِ، وَ أَسْرَعَ اَلْأَيَّامَ فِي اَلشَّهْرِ، وَ أَسْرَعَ اَلشُّهُورَ فِي اَلسَّنَةِ، وَ أَسْرَعَ اَلسِّنِينَ فِي اَلْعُمُرِ!
[١] تَدَارَكَكُمْ: قال الفيومي: تدارك القوم: لحق آخرهم أوّلهم، و استدركت ما فات و تداركته، و أصل التدارك: اللحوق، يقال: أدركت جماعة من العلماء، إذا لحقتهم.
[٢] أَعْوَرْتُمْ لَهُ: أي: أبديتم عورتكم له، و العورة كلّ شيء يستره الإنسان أنفة و حياء، و النساء عورة.
[٣] تَعَرَّضْتُمْ: تعرّض لكذا إذا تصدّى له.