إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٢٤ - النعمة برسول اللّه
وَ خُضْرَةِ اَلدُّنْيَا، إِلَى مَنَابِتِ اَلشِّيحِ[١]، وَ مَهَافِي اَلرِّيحِ[٢]، وَ نَكَدِ اَلْمَعَاشِ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً[٣] مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ[٤] وَ وَبَرٍ[٥]، أَذَلَّ اَلْأُمَمِ دَاراً، وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً، لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَ لاَ إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا. فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَ اَلْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَ اَلْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، فِي بَلاَءِ أَزْلٍ، وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ! مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ[٦]، وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ[٧].
فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ: كَيْفَ نَشَرَتِ اَلنِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَ اِلْتَفَّتِ اَلْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَ فِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ[٨]. قَدْ تَرَبَّعَتِ اَلْأُمُورُ بِهِمْ[٩]، فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَ آوَتْهُمُ اَلْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ، وَ تَعَطَّفَتِ اَلْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى[١٠] مُلْكٍ ثَابِتٍ، فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى اَلْعَالَمِينَ، وَ مُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ اَلْأَرَضِينَ، يَمْلِكُونَ اَلْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَ يُمْضُونَ اَلْأَحْكَامَ
[١] الشِّيحِ: بالكسر نبت معروف.
[٢] هَفَتِ الرِّيحِ: هفوا: هبت، و هفت به أي: حركته.
[٣] عَالَةً: جمع عائل، مثل قادة و قائد، و هو ذو العيلة، أي: الفقر، قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاٰ يَقْرَبُوا) [التوبة -٢٨].
[٤] الدَّبَرِ: محرّكة، الجرح في ظهر البعير من دبره القتب، أي: عقره.
[٥] الوَبَرِ: للبعير بمنزلة الصّوف للغنم.
[٦] مَوؤودَةٍ: وئد ابنته: دفنها في التراب حيّة، قال تعالى: (وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير - ٨- ٩].
[٧] غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ: شنَّ الغارة عليهم: صبّها من كلّ وجه.
[٨] فَكِهِينَ: تفكَّه به تمتّع بأكله، و الفاكهة التّمر و العنب و الثّمر كلّه، و في بعض النسخ: فاكهين بدل فكهين، أي: ناعمين، و بها قرء قوله تعالى: (وَ نَعْمَةٍ كٰانُوا فِيهٰا فٰاكِهِينَ) [الدخان -٢٧]، و قال الأصمعي: فاكهين مازحين و المفاكهة الممازحة.
[٩] الْأُمُورُ بِهِمْ: اعتدلت من قولهم: رجل ربعة و امرأة ربعة، أي: معتدل، و حذف الهاء في المذكّر لغة و فتح الباء فيهما أيضاً لغة، و قال الشارح المعتزلي و غيره: تربّعت بمعنى أقامت من قولك ربع بالمكان، أي: أقام به.
[١٠] الذُّرَى: جمع ذروة بالضمّ و الكسر، و هي أعلى الشيء.