إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٢٨ - فضل الوحي
أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَ أَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ صلى الله عليه و آله: «وَ مَا تَسْأَلُونَ؟» قَالُوا: تَدْعُو لَنَا هَذِهِ اَلشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وَ تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقَالَ صلى الله عليه و آله: إِنَّ اَللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ فَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ ذَلِكَ، أَ تُؤْمِنُونَ وَ تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لاَ تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ، وَ إِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي اَلْقَلِيبِ[١]، وَ مَنْ يُحَزِّبُ اَلْأَحْزَابَ[٢]». ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه و آله: «يَا أَيَّتُهَا اَلشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ، وَ تَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اَللَّهِ، فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ».
فَوَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لاَنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا وَ جَاءَتْ وَ لَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَ قَصْفٌ[٣] كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ اَلطَّيْرِ، حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله مُرَفْرِفَةً[٤]، وَ أَلْقَتْ بِغُصْنِهَا اَلْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله، وَ بِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَ كُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ صلى الله عليه و آله، فَلَمَّا نَظَرَ اَلْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا - عُلُوّاً وَ اِسْتِكْبَاراً: فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَ يَبْقَى نِصْفُهَا، فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَ أَشَدِّهِ دَوِيّاً، فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله، فَقَالُوا - كُفْراً وَ عُتُوّاً: فَمُرْ هَذَا اَلنِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ صلى الله عليه و آله فَرَجَعَ.
فَقُلْتُ أَنَا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ؛ إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، وَ أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اَلشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اَللَّهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ، وَ إِجْلاَلاً لِكَلِمَتِكَ. فَقَالَ اَلْقَوْمُ كُلُّهُمْ: بَلْ ساحِرٌ كَذّابٌ، عَجِيبُ اَلسِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَ هَلْ يُصَدِّقُكَ
[١] الْقَلِيبِ: البئر، يذكِّر و يؤنّث، أو العاديّة القديمة منها.
[٢] الأحْزَابَ: جمع الحزب: الطائفة و جماعة الناس، و تحزّبوا صاروا أحزاباً، و حزّبتهم تحزيباً جعلتهم حزباً حزباً.
[٣] قَصْفٌ: القصف و القصيف: الصوت، و في بعض النسخ: قصف كقصف أجنحة الطير، و الجميع بمعنى واحد. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٤] مُرَفْرِفَةً: رفرف الطائر بجناحيه إذا بسطهما عند السقوط على شيء يحوم عليه ليقع فوقه.