إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٢٣ - ١٩١ و من خطبة له عليه السلام في وصف المتّقين
دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَ اَلْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَ هُمْ وَ اَلنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ.
قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ. صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً. تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ. أَرَادَتْهُمُ اَلدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا. أَمَّا اَللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لِأَجْزَاءِ اَلْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً. يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ[١]بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَ تَطَلَّعَتْ[٢] نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا[٣] إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ[٤] عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ، وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.
وَ أَمَّا اَلنَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَدْ بَرَاهُمُ اَلْخَوْفُ بَرْيَ[٥] اَلْقِدَاحِ[٦]يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ اَلنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَ يَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا[٧]!
وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ اَلْقَلِيلَ، وَ لاَ يَسْتَكْثِرُونَ
[١] يَسْتَثِيرُونَ: ثار ثوراً و ثوراناً، أي: هاج، و أثار الغبار و استثاره: هيّجه.
[٢] تَطَلَّعَ: تطلَّع إلى وروده: استشرف.
[٣] أَصْغَوْا: صغى إلى الشيء كرضى: مال إليه، و أصغى إليه: سمعه، أي أماله نحوه.
[٤] حَانُونَ: حنيت العود حنواً و حناء: عطفته فانحنى و تحنّى، و حنت الناقة على ولدها حنواً: عطفت، و يقال لكلّ ما فيه اعوجاج من البدن كعظم اللّحى و الضلع و نحوهما: الحنو بالكسر و الفتح.
[٥] بَرَي: برى السّهم و العود و القلم يبريها برياً: نحتها.
[٦] الْقِدَاحِ: جمع القدح بالكسر فيهما و هو السّهم قبل أن يراش و ينصل.
[٧] خُولِطُوا: اختلط فلان و خولط في عقله، أي: فسد عقله و اختلّ، فهو خلط بيّن الخلاطة، أي: أحمق، و خالطه مخالطة: مازجه، و خالطه الدّاء: خامره.