إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٥٣ - العظة بالتقوى
بَعِيدٍ خُمُودُهَا، ذَاكٍ[١] وُقُودُهَا[٢]، مَخُوفٍ وَعِيدُهَا، عَمٍ قَرَارُهَا[٣]، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا.
(وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً)[الزمر -٧٣]. قَدْ أُمِنَ اَلْعَذَابُ، وَ اِنْقَطَعَ اَلْعِتَابُ، وَ زُحْزِحُوا عَنِ اَلنَّارِ، وَ اِطْمَأَنَّتْ بِهِمُ اَلدَّارُ، وَ رَضُوا اَلْمَثْوَى[٤] وَ اَلْقَرَارَ. اَلَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي اَلدُّنْيَا زَاكِيَةً[٥]، وَ أَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَ كَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُّعاً وَ اِسْتِغْفَارًا؛ وَ كَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحُّشاً وَ اِنْقِطَاعاً. فَجَعَلَ اَللَّهُ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ مَآباً، وَ اَلْجَزَاءَ ثَوَاباً، «وَ كٰانُوا أَحَقَّ بِهٰا وَ أَهْلَهٰا» فِي مُلْكٍ دَائِمٍ، وَ نَعِيمٍ قَائِمٍ، فَارْعَوْا عِبَادَ اَللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَ بِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ. وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَ مَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ، وَ كَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ اَلْمَخُوفُ، فَلاَ رَجْعَةً تَنَالُونَ[٦]، وَ لاَ عَثْرَةً تُقَالُونَ. اِسْتَعْمَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ، وَ عَفَا عَنَّا وَ عَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.
اِلْزَمُوا اَلْأَرْضَ، وَ اِصْبِرُوا عَلَى اَلْبَلاَءِ. وَ لاَ تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَ سُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَ لاَ تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اَللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى
[١] ذَاكٍ: ذكى النار بالذال المعجمة، و ذكَّيتها بالتثقيل، أي: أتممت وقودها.
[٢] الوُقُودْ: بالضم، المصدر من وقدت النار وقداً و وقداً و وقدة و وقوداً و وقداناً: اشتعلت، و بالفتح ما يوقد به، قال الشارح المعتزلي: و وقودها ههنا بضمّ الواو و هو الحدث، و لا يجوز الفتح؛ لأنّه ما يوقد به كالحطب و نحوه، و ذاك لا يوصف بأنه ذاك، و أقول إن أغمضنا عن ضبط النسخ فما ذكره من العلّة لا ينهض بإثبات كونه بالضمّ، إذ كما يصحّ أن يقال نار تام الاشتعال، فكذلك يصحّ أن يقال نار تام الحطب، و هو ظاهر نعم لو علّله بأنه (عليه السّلام) جعله في مقابل الخمود، و هو قرينة على كونه بالضمّ؛ لأنّ الخمود إنما يقابل الاشتعال لكان حسناً.
[٣] عَمٍ قَرَارُهَا: غمّ قرارها، صفة مشبّهة من الغمّ، بمعنى التغطية، أو من غمّ اليوم فهو غمّ، أي: اشتدّ حرّه فيأخذ بالنفس.
[٤] الْمَثْوَى: بفتح الميم و العين: المنزل و المقام من ثوى بالمكان و فيه أقام.
[٥] زَاكِيَةً: زكا الرّجل يزكو إذا صلح فهو زاك.
[٦] فَلا رَجْعَةً تَنَالُونَ: قال الشارح المعتزلي: الرواية بضمّ التاء، أي: تعطون، يقال: أنلت فلاناً مالاً: منحته، و قد روى تنالون بفتح التاء.