إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢١٢ - التحذير من الشيطان
اَلتَّعَزُّزِ، وَ خَلَعَ قِنَاعَ[١] اَلتَّذَلُّلِ.
أَ لاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اَللَّهُ بِتَكَبُّرِهِ، وَ وَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي اَلدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَ أَعَدَّ لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ سَعِيراً؟!
وَ لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ اَلْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَ يَبْهَرُ اَلْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَ طِيبٍ يَأْخُذُ اَلْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ[٢]، لَفَعَلَ. وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ اَلْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً، وَ لَخَفَّتِ اَلْبَلْوَى فِيهِ عَلَى اَلْمَلاَئِكَةِ. وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزاً بِالاِخْتِبَارِ لَهُمْ، وَ نَفْياً لِلاِسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَ إِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ[٣] مِنْهُمْ.
فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اَللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ اَلطَّوِيلَ، وَ جَهْدَهُ اَلْجَهِيدَ، وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اَللَّهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ، لاَ يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي اَلدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي اَلْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اَللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ؟ كَلاَّ، مَا كَانَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً. إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ اَلسَّمَاءِ وَ أَهْلِ اَلْأَرْضِ لَوَاحِدٌ. وَ مَا بَيْنَ اَللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ[٤]فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى اَلْعَالَمِينَ.
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ عَدُوَّ اَللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ[٥] بِدَائِهِ، وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَ أَنْ
[١] القِنَاعَ: بالكسر، ما تقنع به المرأة رأسها و هو أوسع من المقنعة.
[٢] الْعَرْفُ: بفتح الأوّل و سكون الثاني: الريح طيّبة أو منتنة، و أكثر استعماله في الطيّبة.
[٣] الخُيَلاءِ: الخيلاء و الخيل و الخيلة الكبر.
[٤] الهَوَادَةُ: اللين و الرخصة و ما يرجى به الصّلاح.
[٥] يُعْدِيَكُمْ: أعداه الداء: أصابه مثل ما بصاحب الداء، و في كلام العرب: إنّ الجرب ليعدي، أي: يجاوز من صاحبه إلى من قاربه، و العدوى وزان (جدوى): ما يعدى من جرب و غيره.