إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٥٥ - ١٨٤ و من خطبة له عليه السلام في التوحيد و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة
بَعُوضَةٍ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا، وَ لاَ عَرَفَتْ كَيْفَ اَلسَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا، وَ لَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وَ تَاهَتْ، وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ، وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً، عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا.
وَ إِنَّ اَللَّهَ، سُبْحَانَهُ، يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ اَلدُّنْيَا وَحْدَهُ لاَ شَيْءَ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ اِبْتِدَائِهَا، كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا، بِلاَ وَقْتٍ وَ لاَ مَكَانٍ، وَ لاَ حِينٍ وَ لاَ زَمَانٍ، عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ اَلْآجَالُ وَ اَلْأَوْقَاتُ، وَ زَالَتِ اَلسِّنُونَ وَ اَلسَّاعَاتُ، فَلاَ شَيْءَ إِلاَّ اَللّهُ اَلْواحِدُ اَلْقَهّارُ اَلَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ اَلْأُمُورِ، بِلاَ قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ اِبْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَ بِغَيْرِ اِمْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا، وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى اَلاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا.
لَمْ يَتَكَاءَدْهُ[١] صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَ لَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَ بَرَأَهُ، وَ لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَ لاَ لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ، وَ لاَ لِلاِسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ، وَ لاَ لِلاِحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ، وَ لاَ لِلاِزْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَ لاَ لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَ لاَ لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا، ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لاَ لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا، وَ لاَ لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ، وَ لاَ لِثِقلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ. لاَ يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ اَلْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَ لاَ اِسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَ لاَ لاِنْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اِسْتِئْنَاسٍ، وَ لاَ مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَ اِلْتِمَاسٍ. وَ لاَ مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنًى وَ كَثْرَةٍ، وَ لاَ مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ.
[١] لَمْ يَتَكَاءَدْهُ: يتكأُده: بالتشديد و الهمز من باب التّفعل، و بالمدّ أيضاً من باب التفاعل، مضارع تكأد، يقال: تكأَدني الأمر و تكائدني، أي: شقّ عليّ، و عقبة كؤدة صعبة.