إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٥٤ - ١٨٤ و من خطبة له عليه السلام في التوحيد و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة
يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ. وَ أَنْشَأَ اَلْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اِشْتِغَالٍ، وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ، وَ أَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وَ حَصَّنَهَا مِنَ اَلْأَوَدِ وَ اَلاِعْوِجَاجِ، وَ مَنَعَهَا مِنَ اَلتَّهَافُتِ وَ اَلاِنْفِرَاجِ. أَرْسَى أَوْتَادَهَا، وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا، وَ اِسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وَ خَدَّ أَوْدِيَتَهَا؛ فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَ لاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ. هُوَ اَلظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ، وَ هُوَ اَلْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ، وَ اَلْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلاَلِهِ وَ عِزَّتِهِ. لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَ لاَ يَفُوتُهُ اَلسَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ، وَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ. خَضَعَتِ اَلْأَشْيَاءُ لَهُ، وَ ذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ، لاَ تَسْتَطِيعُ اَلْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ، وَ لاَ كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ، وَ لاَ نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ. هُوَ اَلْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا.
وَ لَيْسَ فَنَاءُ اَلدُّنْيَا بَعْدَ اِبْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اِخْتِرَاعِهَا. وَ كَيْفَ وَ لَوِ اِجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا، وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا[١]، وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَ أَجْنَاسِهَا، وَ مُتَبَلِّدَةِ[٢] أُمَمِهَا وَ أَكْيَاسِهَا، عَلَى إِحْدَاثِ
[١] مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا: بالضمّ، قال الشارح المعتزلي: هي النعم ترد إلى المراح بالضمّ أيضاً: و هو الموضع الذي تأوي إليه النعم، و قال البحراني: مراحها ما يراح منها في مرابطها، و معاطنها، و سائمها ما أرسل منها للرعي. أقول: يستفاد منهما أنّ المراح هنا اسم مفعول و ظاهر غير واحد من اللّغويّين أنه اسم للموضع فقط، قال في القاموس: أراح الإبل: ردّها إلى المراح بالضمّ: المأوى، و قال الفيومي، في مصباح اللّغة: قال الأزهري: و أما راحت الإبل فهي رائحة فلا يكون إلّا بالعشي إذا أراحها راعيها على أهلها، يقال: مرحت بالغداة إلى الرعي و راحت بالعشيّ على أهلها، أي: رجعت من المرعى إليهم، و قال ابن فارس: الرواح رواح العشيّ و هو من الزوال إلى اللّيل، و المراح بالضّم، حيث تأوي الماشية باللّيل و المناخ، و المأوى مثله، و فتح الميم بهذا المعنى خطأ: لأنه اسم مكان و الزمان و المصدر من أفعل بالألف مفعل بضمّ الميم على صيغة اسم المفعول، و أمّا المراح بالفتح فاسم الموضع من راحت بغير ألف، و اسم المكان من الثلاثي بالفتح، انتهى.
و قال في مادة السوم: سامت الماشية سوماً: رعت بنفسها و يتعدّى بالهمزة فيقال: أسامها راعيها، قال ابن خالويه: و لم يستعمل اسم مفعول من الرّباعي بل جعل نسياً منسيّاً، و يقال أسامها فهي سائمة.
فقد ظهر من ذلك، أنّ جعل المراح اسم مفعول من أراح، كما زعمه الشارحان غير جائز، فهو اسم مكان و لا من تقدير مضاف في الكلام. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٢] المُتَبَلِّدَةِ: ضد التجلد، من بلد بلادة، كشرب و فرح فهو بليد، أي: غير فطن و لا كيّس.