فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٧٨
ثمّ لا يخفى عليك أنّ بناء العقلاء ليس أمرا مضبوطا بحيث لم يبق مجال للشكّ في مصاديقه بل الشكّ يتطرّق في كثير من الموارد منها قاعدة المقتضي و المانع إذ لا وثوق ببناء العقلاء على ترتيب أثر المقتضي بالقبح بمجرّد إحراز المقتضي بل المظنون لو لم يكن مقطوعا به عدمه إذ لم يعهد من عاقل ترتيب أثر موت المورث بمجرّد إحراز حدوث ما يقتضيه كشرب السّم أو رمي سهم إليه مع احتمال اقترانه بوجود المانع و كذا غيره من الأمثلة الّتي لا تحصى و منها ما لو استلزم المستصحب موضوعا جديدا أنيط به حكم جديد من دون أن يكون هذا الموضوع بنفسه من أحكام المستصحب بنظر العرف بل من لوازم بقائه و عدم تحقّق خلافه في الواقع مثلا لو غاب زيد عن أهله و عياله ينفق وكيله على زوجته ما دام يحتمل حياته و يتصرّف في أمواله و لا يلتفت إلى احتمال موته في ترك الإنفاق و التصرّف فلو اعترض عليه أحد في الإنفاق و التّصرّف يعلّله بعدم ثبوت موته و هذا بخلاف ما لو كان لبقائه لازم عادي أو عقلي كطول لحيته أو المعاملة الفلانية الّتي يعلم بأنّه على تقدير بقائه لأوقعها لا محالة فإنّه لو كان اللاّزم أثر عرفي أو عقلي لا يترتّب عليه إلاّ بعد إحرازه باليقين فلو قيل له لم لا تفعل كذا يعتذر بقوله لا أقطع ببقائه و سرّه ما أشرنا إليه من أنّ بناء العقلاء على الاستصحاب ليس لأجل إفادته الظنّ حتّى لا يعقل التّفكيك بين آثاره و لوازمه بل وجهه ليس إلاّ أنّ الشكّ لا يعتدّ به في حال من حالاته أبدا إلاّ أنّه يلتفت إليه و يبني على عدم المشكوك واقعا حتّى يكون طريقا لإحراز العدم كي يترتّب عليه آثاره و لوازمه كثبوت المقتضي في القاعدة و وجود اللاّزم في الفرض فالأقوى عدم الاعتناء بالقاعدة و هذا القسم من الاستصحاب نعم لو كان المقتضي بنظرهم شديد الاقتضاء بحيث يكون مجرّد إحرازه كإحراز نفس المقتضي بحيث لا يلتفت الذّهن حال الشكّ إلاّ إلى احتمال وجود المانع لا عدم وجود المقتضي بالقبح أو كان الواسطة الّتي يترتّب عليها الحكم الّذي يراد بالاستصحاب إثباته من الوسائط الخفيّة بحيث لا يلتفت العرف في مقام ترتيب الأثر إليها بل يرون الأثر أثر النّفس المستصحب فالظّاهر اعتباره بل لا يبعد القول باندراجه في مورد الأخبار الكاشفة عن إمضاء طريقة العقلاء لما سيجيء إن شاء اللّه من أنّ إضافة النّقض إلى اليقين في باب الاستصحاب إنما هو باعتبار اليقين التّقديريّ الموجود في زمان الشكّ لا باعتبار اليقين السّابق من حيث هو كما في قاعدة اليقين و هذا المعنى الّذي هو ملاك صدق قولنا اليقين لا ينقضه الشكّ في مبحث الاستصحاب موجود في الفرض لأنّ المفروض أنّ الذّهن لشدّة اقتضاء المقتضي أو خفاء الواسطة لا يلتفت أوّلا و بالذّات إلاّ إلي احتمال وجود المانع لا إلى نفسه فلا يعتدّ بالشكّ بل يمضي على يقينه التّقديري و لا ينقضه بالشكّ أبدا و لعلّ كون هذا المعنى الّذي أوضحناه مغروسا في ذهن المصنّف رحمه الله و غيره ممّن قال بحجيّة الاستصحاب من باب الأخبار هو الّذي دعاهم إلى نفي حجيّة الأصول المثبتة إلاّ فيما إذا كانت الواسطة خفيّة و إلاّ فسيجيء الإشكال في هذا التّفصيل بناء على اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد و لقد أطلنا الكلام في المقام لكونه حقيقا بالاهتمام حيث إنّ المسألة من أمّهات الفروع و معضلات الأصول و اللّه الهادي قوله و الّذي نختاره إلخ أقول مرجع هذا الاستدلال إلى ما حقّقناه فيما تقدّم من أنّ الشكّ لا يعتدّ به في حال من ح الاته فلا بدّ أوّلا من إحراز أن عقد النّكاح يوجب حلّ الوطي مطلقا فإذا أحرز هذا المعنى بالنّظر إلى دليله و وقع عقد في الخارج لا يجوز رفع اليد عن أثره الّذي هو عبارة عن الحليّة المطلقة إلاّ بما يعلم بأنّه يؤثّر في زواله لا ما يشكّ فيه و قوله قدس سره في ذيل كلامه نظرا إلى وقوع المقتضي يعني وقوع ما يؤثّر في حلّ الوطي مطلقا لا المقتضي بالمعنى المصطلح حتّى يكون اتّكاله على قاعدة المقتضي و المانع فتدبّر قوله لا يقال إنّ المقتضي هو العقد و لم يثبت أنّه باق إلخ أقول الظّاهر أنّ مراده بالعقد هو العلقة الحاصلة بين الزّوجين المقتضية لحلّ الوطي بسبب العقد لا نفس الإيجاب و القبول ضرورة انعدامها بعد العقد فلا يناسب التّعبير بعدم ثبوت البقاء هذا مع أنّ المقصود من هذا الإيراد على ما هو الظّاهر من كلامه ليس المناقشة في خصوص المثال أو منع الاستصحاب في الموارد الّتي هي من هذا القبيل بل الغرض منه التّنبيه على مناقشة عامّة سارية في جميع مصاديق الشكّ في الرّافع كطهارة الثّوب و نجاسته و زوال الحدث و حدوث الحادث و غير ذلك من الموارد الّتي يشكّ فيها لأجل الشكّ في الرّافع و حاصل الإيراد كأنّ المتوهّم استظهر من عبارته السّابقة حيث قال فيثبت الحكم عملا بالمقتضي أنّ ملاك الاستصحاب إحراز المقتضي في زمان الشكّ فالتفت إلى أنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ فيما إذا شكّ في عروض شيء يمنع المقتضي عن اقتضائه لا فيما إذا كان الشكّ مسبّبا عن حدوث شيء رافع لنفس المقتضي لأنّ إثبات الحكم في زمان الشكّ عملا بالمقتضي فرع إحراز المقتضي في زمان الشكّ و هو غير محرز في غير الصّورة الأولى و هي من جزئيّات قاعدة المقتضي و المانع و أمّا الصّورة الثّانية و هي الّتي أريد من حجيّة الاستصحاب إثبات الحكم فيها في زمان الشكّ فليس إثبات الحكم في هذا الزّمان عملا بالمقتضي لاحتمال ارتفاع المقتضي بما يشكّ في رافعيّته فليس ذلك إلاّ إثبات حكم في موضوع بمجرّد احتمال وجود مقتضيه و إن شئت توضيحه في ضمن مثال فنقول إنّ العلقة الحاصلة بين الزّوجين مقتضية لحلّ الوطي ما دام وجودها فإذا شكّ في الحلّ لبعض العوارض لا يلتفت إليها عملا بالمقتضي و إمّا إذا شكّ في ذلك لأجل الشكّ في بقاء العلقة بعد صدور الألفاظ الّتي يشكّ في وقوع الطّلاق بها فلا يجوز الحكم بالبقاء عملا بالمقتضي لعدم إحرازه في زمان الشكّ و حاصل جوابه أنّ ملاك الاستصحاب على ما قرّره إنما هو إحراز ما يقتضي دوامه لو لم يرفعه رافع لا إحراز ما يقتضيه