فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٥٧
بالنّسبة إلى المجهول و هو وجوب الأكثر و أمّا الأقلّ فوجوبه معلوم بالتّفصيل فلا يجوز مخالفته و أمّا عدم معذوريّة الجاهل المقصّر عند اقتصاره على الأقلّ في ترك امتثال الأكثر على تقدير وجوبه في الواقع فليس لأجل تنجّز التّكليف به بواسطة هذا العلم الإجمالي بل للوجه الّذي لا يعذر لأجله الجاهل المقصّر العامل بالبراءة قبل الفحص في سائر التّكاليف فلاحظ و تدبّر قوله و لا يعارض بقبح المؤاخذة على ترك الأقلّ من حيث هو من دون بيان إلخ أقول قد يقال إنّ الأقلّ على تقدير نفي وجوب الأكثر بالأصل يصير مشكوك الوجوب ضرورة أنّ الشّارع لم يرده مجرّدا عن الجزء المشكوك على تقدير جزئيّته في الواقع و إلاّ لما كان التّكليف مردّدا بين الأقلّ و الأكثر و هو خلاف الفرض فالأقلّ بعد جريان الأصل في الأكثر يصير موردا للأصل فيتحقّق المعارضة حينئذ بين الأصل الجاري فيه و في الأكثر حيث يلزم من إعماله فيهما طرح العلم الإجمالي و في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح فيجب الاحتياط كما في المتباينين و العلم بأنّ الأقلّ في الواقع إمّا واجب لذاته أو مقدّمة للأكثر إنما يصلح مانعا عن جريان الأصل فيه على تقدير تنجّز التّكليف به على كلّ تقدير و أمّا على تقدير عدم تنجّز التّكليف به إلاّ على أحد التقديرين فلا و ما نحن فيه من هذا القبيل إذ لا يعقل تنجّز التّكليف بالمقدّمة عند عدم تنجّز التّكليف بذيها و فيه أوّلا أنّه إن تمّ ذلك فإنّما يتّجه على القول باشتراط وجوب المقدّمة بإرادة ذيها و هو فاسد كما تقرّر في محلّه فالأقل على تقدير كون الأكثر واجبا في الواقع واجب أيضا في الواقع مطلقا من باب المقدّمة و إجراء أصالة البراءة في الأكثر لا يوجب انتفاء وجوبه في الواقع كي يرتفع بذلك وجوب مقدّمته فالأقل معلوم أنّه بالفعل مطلوب و مراد للشارع إمّا لذاته أو مقدّمة للأكثر و لا يعقل جريان الأصل مع العلم التّفصيلي بمخالفته للواقع و أمّا ما توهّم من أنّه لا يكفي العلم بوجوبه المردّد بين النّفسي و الغيري في تنجّز التّكليف به بعد نفي وجوب الأكثر بالأصل فمدفوع بأنّا لا نعقل لتنجّز التّكليف بشيء الّذي هو عبارة عن إلزام العقل بوجوب الخروج عن عهدته إلاّ إدراك ثبوته في الواقع و القدرة على امتثاله من غير فرق بين كون ذلك الشّيء مطلوبا لذاته أو لغيره فلو دلّ مثلا دليل لبّي من إجماع و نحوه على أنّه يجب الرّواح إلى المسجد الأعظم و شكّ في أنّه هل هو من حيث هو أو مقدّمة للاعتكاف لا يجوز ترك الرّواح معتذرا باحتمال كونه مقدّمة للاعتكاف الّذي هو المقدور و أمّا نفس الاعتكاف فهو شيء مشكوك الوجوب ينفي وجوبه بالأصل نعم لو تعذّر الاعتكاف و صار الرّواح بواسطته مشكوك الوجوب أمكن نفيه حينئذ بالأصل و هذا بخلاف صورة التّمكن فإنّه حينئذ يعلم بوجوب شيء عليه بالفعل و قدرته على امتثاله فلا يعذر في مخالفته و لكنّ القدر المتيقّن الّذي تنجّز في حقّه التّكليف هو نفس الرّواح دون الاعتكاف نعم لو قلنا بأنّ الخروج عن عهدة ذلك التّكليف المعلوم بالإجمال على تقدير كونه غيريّا موقوف على الإتيان بذلك الغير تحصيلا للجزم بحصوله على وجه تعلّق به غرض الأمر بدعوى أنّ الإطاعة اسم لذلك وجب الاحتياط بفعل الاعتكاف في الفرض و لكنّ الدّعوى فاسدة جدّا كما عرفته آنفا و ثانيا أنّ الأقلّ في حدّ ذاته ليس موردا للبراءة سواء قلنا بصيرورته مشكوك الوجوب بعد نفي وجوب الأكثر بالأصل أم لم نقل لأنّ تركه في حدّ ذاته مخالفة قطعيّة للتّكليف المعلوم بالإجمال فلا يعقل أن يعمّه دليل البراءة و هذا بخلاف الأكثر فإنّ الرّخصة في تركه ليست إلاّ رخصة في المخالفة الاحتماليّة لذلك التّكليف و لا محذور في ذلك كما عرفته في الشّبهة المحصورة فلا مانع من أن يعمّه دليل البراءة و بما بينّاه في ذلك المبحث يتّضح لك وجه ما أشار إليه المصنّف رحمه الله من أنّ ترك الأقلّ سبب لاستحقاق العقاب على مخالفة الواجب الّذي علمه بالإجمال مطلقا سواء كان هو الأقلّ أو الأكثر الّذي نفي وجوبه بالأصل و ملخّصه أنّ لإطاعة الحكم المعلوم بالإجمال مرتبتين الأولى ترك المخالفة القطعيّة و الثّانية تحصيل الموافقة القطعيّة أمّا الأولى فهي ممّا لا بدّ منها و لا يعقل للشارع أن يرفع يده عنها بأن يبيح مخالفته القطعيّة لرجوعه إلى التّناقض أو التّرخيص في المعصية الّتي استقلّ العقل بقبحها و سببيّتها لاستحقاق العقاب على مخالفة ذلك المعلوم بالإجمال الّذي علم بمخالفته و لذا لا يعقل أن يعمّ أدلّة الأصول جميع أطراف الشّبهة مع كون كلّ واحد من حيث هو مشكوك الحكم و أمّا الثّانية فهي ممّا يعقل أن يتصرّف فيه الشّارع بأن يقنع في مقام الامتثال بالموافقة الاحتمالية لمصلحة مقتضية لذلك و لذا لا مانع عن إجراء الأصول و الأخذ بعموم أدلّتها في بعض الأطراف عند سلامتها عن المعارضة بجريانها في الآخر كما فيما نحن فيه فمرجع الرّخصة في إعمال الأصل في الأكثر سواء كان الحاكم بها العقل أو الشّرع إلى الاكتفاء في الخروج عن عهدة ذلك التّكليف المعلوم بالإجمال بالموافقة الاحتماليّة كما لا يخفى على المتأمّل هذا كلّه مضافا إلى أن معارضة الأصل الجاري في الأقلّ للأصل الجاري في الأكثر في حدّ ذاتها ممتنعة إذ المفروض أنّ الشكّ في وجوبه أو تنجّزه مسبّب عن جريان الأصل في الأكثر فكيف يعقل أن يكون حكمه مانعا عن وجود ما يتوقّف عليه موضوعه و عن نفسه و إن شئت قلت ببيان أوضح بعد الإغماض عن جميع ما ذكر أنّه لا يعقل أن يكون الأقل مراد بأدلّة البراءة حتّى يتحقّق المعارضة بينه و بين الأكثر لتوقّفه على كون الأكثر موردا لها لتوقّف موضوعه عليه و معه يمتنع شمول الدّليل له و إلاّ لم يكونا متعارضين و أمّا الأكثر فلا يتوقّف إرادته منها على إرادة الأقل لإمكان التّفكيك فالأكثر في حدّ ذاته شيء مشكوك الوجوب يمكن أن يرجع في حكمه إلى ما يقتضيه الشكّ و أمّا الأقل فلا يمكن فيه ذلك إلاّ و مع الأكثر و هما معا محال فكون الأقل مشمولا لتلك الأدلّة محال فلا يصلح أن يكون شموله مانعا عن الشّمول للأكثر حتّى يتحقّق المعارضة قوله كما لو علم إجمالا لا يكون أحد من