فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٥٥
الثّوبين طاهرا بل من العلم بأصل التّكليف أي بوجوب صلاة مقيّدة بهذه القيود في الشّريعة فإنّه متى علم المكلّف بذلك ألزمه عقله بالخروج عن عهدته مع الإمكان و عدم معذوريّته في مخالفته إلا على تقدير عجزه عنه في الواقع فتشخيص موضوع الواجب و ما يتعلّق به من الأجزاء و الشّرائط كلّها من المقدّمات الوجوديّة الّتي يجب الفحص عنها و تحصيلها مهما أمكن و لو بالاحتياط و لا يعذر المكلّف بعد إحراز أصل التّكليف في مخالفة شيء من ذلك إلاّ على تقدير عجزه عنه واقعا و لا يكفي في ذلك مجرّد احتمال العجز سواء كان منشؤه العجز عن بعض محتملات الواجب عينا أو تخييرا أو احتمال عجزه عن كلّ المحتملات أو عن أصل الواجب كيف و لو جاز الرّجوع إلى أصل البراءة في نفي وجوب سائر المحتملات عند العجز عن بعض أو مطلقا لجاز الرّجوع إليه عند احتماله أيضا أو احتمال تعذّر أصل الواجب من غير فحص إذ لا يجب الفحص في الشّبهات الموضوعيّة و هو واضح الفساد نعم حال الواجبات المشروطة بالنّسبة إلى شرائطها الوجوبيّة حال المحرّمات في أنّ تنجّز التّكليف بها من آثار العلم بتحقّق شرائطها لا بأصل التّكليف فلا بدّ فيها أيضا من أن يكون العلم المتعلّق بحصول الشّرائط صالحا للتّأثير كما في المحرّمات و من هذا القبيل ما لو قال الشّارع مثلا يجب إكرام كلّ عالم من أهل البلد أو يجب الصّلاة على كلّ ميّت مسلم أو نحو ذلك فإنّ هذا النّحو من التّكاليف كلّها واجبات مشروطة بتحقّق موضوعاتها فلو لم يعلم المكلّف بوجود عالم في البلد لا يتنجّز في حقّه التّكليف و لا يجب الفحص عنه ما لم يعلم بوجوده إجمالا و يرجع في موارد الشكّ إلى أصل البراءة و مع العلم الإجمالي بوجود عالم مردّد بين أشخاص محصورة إلى قاعدة الاحتياط بشرط أن يكون العلم الإجمالي صالحا للتّأثير لا مطلقا و هذا بخلاف ما لو تعلّق طلب مطلق بإكرام عالم مثلا فإنّه يجب حينئذ الفحص عن مصداق العالم و الخروج عن عهدة التّكليف بالموافقة القطعيّة مع الإمكان و إلاّ فما هو الأقرب إليه فالأقرب حتّى إنّه لو لم يوجد عالم و تمكّن من تعليم أحد بحيث اندرج في موضوع العالم من غير مشقّة رافعة للتّكليف وجب عليه ذلك من باب المقدّمة و هذا بخلاف الفرض الأوّل الّذي جعل فيه العالم ب نفسه موضوعا لوجوب الإكرام لا إكرامه من حيث هو متعلّقا للطّلب كي يكون تحصيل العالم من المقدّمات الوجوديّة للواجب المطلق كما في الفرض الثّاني فليتأمّل ثمّ إنّا لو قلنا بجواز الرّجوع إلى البراءة عند تعذّر بعض المحتملات الواجب عينا فالأظهر عدم الفرق بين حصوله قبل تنجّز التّكليف أو بعده كما هو ظاهر المتن و لا يقاس بالشّبهة المحصورة الّتي التزمنا فيها بالتّفصيل بين ما لو اضطرّ إلى بعض أطرافها قبل تنجّز التّكليف أو بعده إذ فرق بين المقامين فإنّه متى تنجّز التّكليف بالحرام المعلوم بالإجمال كالخمر المردّدة بين الإناءين فقد وجب الاجتناب عن ذلك الحرام الخاصّ دائما إلاّ أن يضطرّ إليه فيجب الاجتناب عن كلّ واحد من المحتملين مطلقا و اضطراره إلى بعضها يجعله معذورا في ارتكاب ذلك الحرام على تقدير مصادفته لهذا البعض كما تقدّم تحقيقه في محلّه و أمّا الواجب فمتى حضر وقته و كان المكلّف جامعا لشرائط التّكليف فقد تنجّز في حقّه أي وجب عليه الخروج عن عهدته فإذا تعذّر بعد ذلك بعض محتملاته فإن كان ذلك قبل مضي مقدار أداء الواجب فهو ليس إلاّ كما إذا تعذّر ذلك البعض من أوّل الوقت كما لا يخفى وجهه و إن تعذّر بعده و كان الواجب مضيّقا فقد فات وقته و خرج عن محلّ البحث و إن كان موسّعا كصلاة الظّهر مثلا فيكون حاله بالنّسبة إلى أجزاء الوقت حال المطلق بالنّسبة إلى أفراده في كون كلّ واحد منها في حدّ ذاته مأمورا به بأمر تخييريّ عقليّ منتزع من الأمر الشّرعي المتعلّق بالطّبيعة فلو شكّ في كون شيء منها معروضا للوجوب يتمسّك في نفيه بالأصل نعم لو كان التّكليف الوجوبي متعلّقا بفعل شيء على سبيل الاستمرار كإسكان عالم في داره و تردّد العالم بين أشخاص تعذّر إسكان بعضها اتّجه مقايسته بالحرام في التّفصيل بين ما لو كان بعضا معيّنا أو غير معيّن قبل تنجّز التّكليف أو بعده على حسب ما عرفته في الشّبهة التّحريميّة فلاحظ و تأمّل و اعلم أنّ أغلب ما سطرناه في المقام منقول عمّا حرّرناه في مبحث القبلة من كتابنا المسمّى بمصباح الفقيه فلعلّك لو تأمّلت في ما كتبناه في ذلك المبحث زائدا على ما نقل لحصل لك مزيد إذعان بالمطلوب فلاحظ و تدبّر قوله أمّا العقل فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلّف بمركب إلخ أقول توضيح المقام بحيث يرتفع به غشاوة الأوهام و يتّضح به ملخّص مرام المصنف رحمه الله هو أنّ الكلام يقع في مقامين أحدهما و هو الّذي عقد له هذا الباب أنّه عند دوران الواجب بين الأقلّ و الأكثر هل التّارك للجزء المشكوك مع إتيانه بما عداه من الأجزاء يعدّ عاصيا في حكم العقل و العقلاء فيحسن عقابه كما في المتباينين أم لا ثانيهما أنّه بعد البناء على عدم استقلال العقل بحسن العقاب و عدم كونه عاصيا في حكم العقلاء بالنّظر إلى ذلك التّكليف من حيث هو هل العقل يحكم بوجوب الاحتياط في الأحكام الشّرعيّة لإحراز مصلحتها الواقعيّة الملزمة الموجبة للأمر الشّرعي أم لا أمّا الكلام في المقام الأوّل فنقول لا شبهة في أنّه إذا عزم العبد على إطاعة المولى و بذل جهده في تعيين موضوع أمره و لم يطّلع إلاّ على عدّة أجزاء و احتمل إرادته أجزاء آخر لم يصل إليه بيانها أو لم يتعرّض المولى لبيانها و لو لعجزه عن بيان تمام مراده و أتى العبد بجميع الأجزاء الّتي علم بوجوبها بعد فحصه و بحثه عن وجوب ما يحتمل وجوبه و عدم اطّلاعه على ما يدلّ على وجوبه ليس للمولى أن يؤاخذه و يعاتبه بقوله لم عصيتني و خالفتني فيما أمرتك و تركت إطاعتي و الإتيان بمرادي لأنّ عذر العبد معلوم مقبول عند العقلاء فيقبح من المولى مؤاخذته خصوصا مع اعترافه بأنّي ما نصبت له عليه دلالة و أمّا الكلام في المقام الثّاني فملخّصه أنّ العقل لا يلزم بإيجاد فعل بلحاظ مصلحته