فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٣٥
مسلّمة لديهم كما سنوضحه في محلّه قوله و يشهد له حكم العقلاء كافّة بقبح مؤاخذة المولى عبده إلخ أقول الاستشهاد بالتّقبيح العقلائي في الصّورة المفروضة يوهم اختصاص محلّ الكلام بما إذا كان البيان من وظيفة الأمر مع أنّ المدّعى أعمّ من ذلك حيث إنّا نستدلّ بهذه القاعدة لجواز الارتكاب في الشّبهات الموضوعيّة الّتي ليس بيانها وظيفة الشّارع و كذا في الشّبهات الحكميّة الّتي علم بأنّ الشارع بيّن فيها ما هو وظيفته و لكن اختفي علينا لبعض دواعي الاختفاء فالشّهادة المزبورة غير مجديّة في مثل هذه الفروض بل لا بدّ فيها من التشبّث بحكم آخر للعقل و العقلاء و هو قبح المؤاخذة على ما لا طريق للمكلّف إلى العلم به بإرشاد عقله أو دلالة الشّرع فالمراد بالبيان في المقام هو مطلق طريق معرفة التّكليف لا خصوص الإعلام كما يوهمه العبارة فليتأمل قوله و الظّاهر أنّ المراد ما لا يطاق الامتثال به و إتيانه بقصد الطّاعة إلخ أقول هذا التّفسير لا يخلو من إجمال و توضيحه أنّه يمتنع أن يلتزم المكلّف بفعل ليس له طريق من عقل أو نقل يرشده إلى لزومه فإلزام المكلّف بالخروج عن عهدة ذلك الفعل الّذي لم يعلم لزومه عليه تكليف بغير المقدور و مؤاخذته على ترك امتثال الأمر الواقعيّ الّذي لم يعلمه قبيح فإنّه ما لم يعلم بمطلوبيّة الفعل لا يعقل أن يدعوه طلبه الواقعي المتعلّق به إلى العمل فلا يكون بعنوان إيجاده بقصد امتثال ذلك الطّلب فعلا اختياريّا له نعم متى احتمل كونه مطلوبا في الواقع ربّما يبعثه الاحتمال على الخروج عن عهدة الأمر المحتمل فيأتي بالفعل برجاء المطلوبيّة فيصحّ عبادة و لكن لا يصدق عليه اسم الإطاعة و لا يحسن مؤاخذته على ترك الاعتناء بهذا الاحتمال ما لم يكن دليل عقليّ أو نقليّ يدلّ على لزوم رعايته و الحاصل أنّ التزام المكلّف بالخروج عن عهدة تكليف موقوف على أن يعرف ذلك التّكليف أو يدلّ دليل عقليّ أو نقليّ على أنّه متى احتمله يجب عليه الاعتناء بذلك الاحتمال فيكون تكليفه في مقام العمل حينئذ هو الاحتياط لا بمعنى أنّ الاحتياط من حيث هو مطلوب نفسي كي يترتّب المؤاخذة على مخالفته من حيث هو كما يظهر من عبارة المصنف رحمه الله في هذا المقام بل المقصود بالأمر بالاحتياط تنجيز التّكليف بالواقعيّات المجهولة و التحرّز عن مخالفتها فيكون الاحتياط وجها من وجوه الواقعيّات المشتبهات الّتي عرف وجوبها بهذا الوجه و إن لم يميّزها عمّا عداها من المشتبهات و لا يقدح ذلك في جواز المؤاخذة على مخالفتها بعد قيام الدّليل على وجوب مراعاة الاحتمال و وجوب الاحتياط في كلّ محتمل التّكليف من باب المقدّمة العلميّة كما هو المفروض فتلخّص ممّا ذكر أنّ التّكليف واقعيّا كان أو ظاهريّا لا بدّ في تنجيزه على المكلّف من أن ينتهي إلى العلم و إلاّ فلا يعقل الالتزام بإطاعته فليتأمل قوله لأنّ الثّابت بها ترتّب اللّوازم المجعولة الشّرعيّة على المستصحب أقول هذا فيما إذا لم يكن المستصحب بنفسه أمرا شرعيّا و إلا فيترتّب عليه جميع لوازمه كما ستعرفه في محلّه فما ذكره المصنف رحمه الله في هذا المقام مبنيّ على عدم كون عدم الحرمة أو الوجوب من الأمور الشّرعيّة القابلة بنفسها من حيث هي للاستصحاب نظرا إلى أنّ الأمور الشّرعيّة القابلة للاستصحاب عبارة عن الأحكام الشّرعيّة المجعولة و ليست العدميّات منها ضرورة عدم كونها من المجعولات الشّرعية فلا يعمّها أدلّة الاستصحاب إلاّ بلحاظ آثارها لو كان لها أثر شرعيّ مجعول كغيرها من الموضوعات الخارجيّة و فيه بعد الغض عن أنّ التّمسّك بالأصول العدميّة الجارية بالنّسبة إلى الأحكام التّكليفيّة و الوضعيّة في كلمات المصنف رحمه الله فضلا عن غيره فوق حدّ الإحصاء كما لا يخفى على من تتبّع كلماته أنّ المراد بالأمور الشّرعيّة ليس خصوص الأحكام المجعولة بل أعمّ منها و من عدمها إذ يكفي في كونه شرعيّا كون زمام أمره وضعا و رفعا بيد الشّارع و سرّه أنّه لا مقتضي لصرف الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك عن مثل ذلك إذ كما يصحّ للشّارع أن يقول من كان على يقين من وجوب الشّيء الفلاني فليمض على يقينه كذلك له أن يقول من كان على يقين من عدم وجوب شيء فليمض على يقينه فكما أنّ أمر الشّارع بالبناء على الوجوب السّابق بمنزلة إنشاء الوجوب بالفعل و كذلك أمره بالبناء على العدم السّابق بمنزلة إمضائه لذلك العدم فلا يقاس هذا بالأمور الخارجيّة الّتي لا يعمّها أدلّة الاستصحاب إلاّ بلحاظ آثارها المجعولة كما لا يخفى على المتأمّل قوله و المتبادر من الهلكة في الأحكام الشّرعيّة الدّينيّة هي الأخرويّة إلخ أقول ليس المراد بالهلكة في هذه الأخبار نفس المضرّة و المفسدة كي يدّعى انصرافها إلى الأخرويّة إذ لا معنى للاقتحام في الضّرر أو العقاب إلاّ بلحاظ سببه أي الفعل الّذي يترتّب عليه الضّرر أو العقوبة فقوله عليه السلام الوقوف عند الشّبهة خير من الاقتحام في الهلكة معناه أنّ الوقوف عند ما يحتمل كونه حراما خير من الاقتحام في الحرام و إنما أطلق اسم الهلكة على الحرام بلحاظ كونه مضرّا بحال المكلّف و موجبا لاستحقاق العقاب على تقدير عدم معذوريّته في الارتكاب فيكفي علاقة لصحّة إطلاق اسم الهلكة على ارتكاب فعل الحرام كونه مشتملا على المفسدة المقتضية للنّهي عنه و استحقاق العقوبة على ارتكابه بلا عذر فلا يفهم من هذا الاستعمال كونه سببا تامّا للمضرّة الخاصّة الّتي هي العقوبة فليتأمل قوله إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعي إلخ أقول لقائل أن يقول إنّ إيجاب الاحتياط ليس مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعي كي يترتّب عليه المفسدة المزبورة و لا هو حكم ظاهري نفسي بحيث يعاقب على مخالفته من حيث هو بل هو مقدّمة للتحرّز عن الحرام الواقعي على تقدير تحقّقه فيكون أمر الشارع بالاحتياط في الشّبهات البدويّة بعد الفحص و عدم التمكّن من معرفة حكمها كإلزام العقل به فيما قبل الفحص و في أطراف الشّبهة المحصورة في كونه موجبا لتنجّز التّكليف بالواقعيّات المجهولة و عدم كون المكلّف معذورا في مخالفتها قوله و قد يجاب عن أخبار التّوقف بوجوه غير خالية عن النّظر أقول هذا إنما هو لو جعل كلّ واحد