فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ١٢٢
بين خبرين أي من قبيل اشتباه الحجّة باللاّحجّة إذ المتعارضان متكافئان فيما هو مناط الحجّيّة و ليس لأحدهما خصوصيّة واقعيّة تخصّصه بالحجّية كما في الخبر الصّحيح المشتبه بغيره و كون أحدهما في الواقع غير معلوم الكذب ليس من الخصوصيّات المميّزة له عن الآخر المقطوع بكذبه فإن كلا منهما إذا لوحظ بنفسه محتمل الصّدق و إذا لوحظ مع الآخر علم إجمالا بكذب أحدهما لا بوصف زائد يميّزه عمّا ليس كذلك نعم لو علم بصدق الآخر أي علم إجمالا بأنّ أحدهما صادق و الآخر كاذب أمكن جعله من باب اشتباه الحجّة أنّ ما علم إجمالا صدقه له امتياز واقعي كالخبر الصّحيح و لكن عدّ هذا أيضا من هذا القبيل لا يخلو عن مسامحة حيث إنّ وجوب اتّباع ما علم صدقه ذاتي فهو خارج عن محلّ الكلام فليتأمل قوله و مقتضاه الرّجوع إلى الأصول العمليّة أقول يعني الأصول العمليّة الغير المنافية للتّعبد بصدق أحدهما على سبيل الإجمال أي الغير المستلزمة لطرحهما رأسا قوله يتساقطان أقول أي من حيث الطّريقيّة إلى مؤدّاهما بخصوصه لا مطلقا حتّى بالنّسبة إلى نفي الثّالث فإنّه ينافي التّوقف على ما فسّره في صدر المبحث قوله من حيث إنّ التّوقّف في الفتوى يستلزم الاحتياط في العمل أقول قد يناقش في الملازمة بأنّ ترك الفتوى بمضمون شيء من الخبرين المتعارضين الدّال أحدهما على إباحة شيء و الآخر على حرمته مثلا لا ينافي ارتكابه في مقام عمله تعويلا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان و يدفعه أن ليس المقصود بالتّوقّف في الفتوى ترك الإفتاء بمضمون الخبرين فإنّ هذا المعنى من حيث هو أجنبيّ عن مفاد أخ بار التّوقف بل المقصود به عدم جواز الأخذ بشيء من الخبرين أو طرح شيء منهما لا في مقام عمله و لا في مقام الفتوى الّذي هو أيضا نوع من عمله كما أنّ التّوقّف بهذا المعنى هو المراد بأخبار التّوقّف و يلزمه الاحتياط في كلا المقامين فالتّعبير عن التّوقّف الّذي هو مفاد الأخبار الآمرة بالتّوقّف في الخبرين المتعارضين بالتّوقّف في الفتوى مع أنّه أعمّ للإشارة إلى أنّ مفاد هذه الأخبار أوّلا و بالذّات هو التّوقّف في المسألة الأصوليّة أي في مقام الاستنباط المستلزم للاحتياط في مقام العمل لا التّوقّف في المسألة الفرعيّة الّذي هو عبارة أخرى عن الاحتياط و ترك المضي في الشّبهات كما هو المراد ببعض الأخبار المتقدّمة في مبحث أصل البراءة الآمرة بالوقوف عند الشّبهات فلاحظ و تدبّر قوله لقوّة احتمال أن يكون التّخيير حكما ظاهريّا إلخ أقول كحكم العقل بالتّخيير في دوران الأمر بين المحذورين أو الشّرع في بعض الموارد الّتي اشتبه فيها الواجب بغير الحرام و اكتفي الشّارع فيها بالموافقة الاحتماليّة لقاعدة نفي الحرج أو غيرها من القواعد فإنّ التّخيير في مثل هذه الموارد حكم ظاهريّ عمليّ جعل في موارد الاشتباه فيمكن أن يكون حكم الشّارع بالتّخيير في تعارض الخبرين من هذا الباب أي من باب الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة بل يمكن أن يكون التّخيير في تعارض الخبرين واقعيّا ناشئا من محبوبيّة الأخذ بأحد الخبرين الغير المعلوم مخالفته للواقع من باب التّسليم و الانقياد لا من حيث الطّريقيّة إلى خصوص موارده كما يستشعر ذلك من بعض الأخبار و هذه الحيثيّة و إن اقتضت كون حجّيّة الأخبار من باب السّببيّة مطلقا و لكنّ الشّارع لم يعتبرها في سائر المقامات من هذه الجهة بل من حيث الطّريقيّة كما يظهر ذلك من أدلّته فلاحظ و تدبّر قوله و إن كان وجه المشهور أقوى أقول بل هو المتعيّن لأنّ الّذي يجب اتباعه إنما هو رأي المجتهد أي ما استنبطه المجتهد من الأدلّة الشّرعيّة لا ما اختاره في مقام عمله فإذا رأي المجتهد تكافؤ الخبرين و أنّ الحكم عند تكافؤ الخبرين جواز الأخذ بمضمون كلّ منهما و اطّلع المقلّد على ذلك جاز له تطبيق عمله على ما يراه في الواقع و إن لم يخبره بذلك أو أخبره بخلافه و الحاصل أنّه لا دليل على أنّ اختيار المجتهد بمنزلة طريق تعبّدي لإثبات متعلّقه و صيرورته بالنّسبة إليه تكليفا تعيينيّا منجّزا مع أنّ المجتهد لا يراه في الواقع كذلك و ببيان أوفي أنّ حال المجتهد بالنّسبة إلى مقلّديه ليس إلاّ حال المترجم العارف بلغة المجتهد و باستخراج فتاويه من رسالته و بحال الوسائط الّذين ينقلون فتاويه إليه فإذا كان فتوى المجتهد حجيّة ظواهر عبائره المدوّنة في رسالته أو قول العادل النّاقل لفتواه و أنّ الحكم لدى معارضة حجّة بمثلها هو التّخيير كما في تعارض الخبرين ليس للمترجم القادر على فهم رسالته أو تحقيق حال الوسائط النّاقلين لفتواه إلزام سائر العوام الّذين يرجعون إليه و يعوّلون على فهمه لكونه عندهم من أهل الخبرة في هذا الفنّ بمضمون أحد المتعارضين بل عليه إمّا شرح الحال أو إخبارهم إجمالا بكونهم مخيّرين في العمل بمفاد الخبرين و لا ينافيه كون التّخيير أوّلا و بالذّات في المسألة الأصوليّة أي الأخذ بأحد الخبرين لا في الحكم الفرعي إذ المقلّد لدى التّحليل معوّل في تخييره على ما يراه مجتهده وجها له فلا فرق لدى التّحقيق بين ما لو ترجّح أحد الخبرين بنظر المجتهد فرأى وجوب العمل به عينا أو تكافئا فرأى جواز الأخذ بكلّ منهما فكما أنّ تعيّن الأخذ بالرّاجح أوّلا و بالذّات هو وظيفة المجتهد الّذي ترجّح أحد الخبرين بنظره كذلك التّخيير عند تكافئهما و لكن نظره في التّرجيح أو التّخيير قائم مقام نظر كلّ من يعتمد عليه و يعوّل على نظره فلاحظ و تدبّر فإنّه لا يخلو عن دقّة قوله فالظّاهر أنّها مسوقة لبيان وظيفة المتحيّر في ابتداء الأمر إلخ أقول بل هي بحسب الظاهر مسوقة لبيان حكم المتحيّر من حيث هو كما أنّ ما دلّ على التّرجيح مسوق لبيان حكمه عند ترجّح أحد الخبرين لديه بشيء من المرجّحات من غير فرق بين كون ذلك في ابتداء أمره أو بعده إن كان أخذا بأحد الخبرين إمّا لجهله بالمعارض أو لكونه أرجح لديه و الحاصل أنّ دعوى كونها مسوقة لبيان حكم المتحيّر في ابتداء الأمر غير مسموعة و لو سلّم انصرافها إليه فهو بدويّ منشؤه بعض المناسبات