فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٩٥
التعبّد لا بناء العقلاء فإنّ إلزام الشّارع بسلوك طريق تعبّدي مرجعه إلى أمره بترتيب الآثار الشّرعيّة على مؤدّاه إلاّ أنّ بين الأمارات و الأصول التّعبّدية كالاستصحاب و أصالة الصّحة بناء على اعتبارهما من باب التعبّد لا الطّريقيّة فرقا و هو أنّ مؤدّى الأمارة لما كان ثبوت متعلّقها حقيقة فهي كما تؤدّي إلى متعلّقها كذلك تؤدّي إلى آثاره و لوازمه مثلا إذا أخبر العادل بموت زيد مثلا فقد أخبر بجميع لوازمه بالالتزام أي دلّ خبره على وقوع الموت مع جميع لوازمه فإذا أمر الشّارع بتصديقه وجب الالتزام و التّعبّد بثبوت الجميع في مقام العمل ضرورة أنّ إنكار شيء منها ينافي تصديقه فكما أنّ إنكار نفس الموت تكذيب له كذلك إنكار لوازمه و بعبارة أخرى معنى جعل الخبر حجّة هو الإلزام بالالتزام بثبوت مفاده مطلقا سواء كان مدلولا مطابقيّا له أم تضمّنيّا أو التزاميّا و أمّا الأصول فلا مفاد لها إذ المفروض أنّ اعتبارها ليس من حيث الطّريقيّة إلى متعلّقاتها و إنما أوجب الشّارع التعبّد بثبوت المتعلّقات أي ترتيب آثارها حال الشكّ فلا يتعدّى إلى آثار ما يلازمها اللّهمّ إلاّ أن يكون دليل الأصل لفظيّا و ادّعي ظهوره في الأعمّ كما قد يدّعى ذلك في أدلّة الاستصحاب و هو لا يخلو عن وجه لو بنينا على استفادة حجّيّته من محض الأخبار كما تقدّمت الإشارة إليه عند التكلّم في وجه حجيّته فراجع و بما أشرنا إليه من أنّ مفاد حجيّة الأمارة وجوب تصديق مضمونها تعبّدا و أنّ التصرّف الشّرعي إنما تعلّق بطريق المتعلّق لا نفسه ظهر لك وجه تقديم الأمارات على الأصول فإنّ مفاد أدلّة نصب الطّرق كتصديق العادل هو أنّه يجب على المكلّف أن يأخذ بمفاده في مقام العمل و لا يلتفت إلى احتمال مخالفته للواقع بأن يرتّب على نفسه أحكام الشّاكّ فهو متعبّد بالبناء على عدم كونه شاكّا و كون الواقع ثابتا لديه فيخرج بذلك عن موضوع أدلّة الأصول حكما و أمّا مفاد دليل الاستصحاب فهو و إن كان أيضا وجوب ترتيب أثر ثبوت الواقع حال الشكّ و عدم معاملته معاملة الشّاكّ و لذا يقدّم على أصل البراءة و الاشتغال و التّخيير الّتي هي من أحكام الشّاك إلاّ أنّ الشكّ مأخوذ في موضوع وجوب الأخذ بالحالة السّابقة حيث إنّ الشّارع قال من كان على يقين من شيء فشك فيه فليمض على يقينه فوجوب المضي حكم مجعول للشّاك بوصف كونه شاكّا و هذا بخلاف أدلّة الأمارات فإنّ موضوعه شخص المكلّف و قد أمره الشّارع بأن لا يعتني باحتمال مخالفة الأمارة للواقع بأن يعامل معاملة الشّاك الّتي منها وجوب الأخذ بالحالة السّابقة فكأنّه قال يجب الأخذ بالحالة السّابقة حتّى يثبت خلافه و لكن يثبت خلافه بالبيّنة و خبر العادل و نحوه فلاحظ و تدبّر قوله فالمجعول في زمان الشكّ حكم ظاهريّ إلخ أقول لا تتوهّم أنّه يلزم من ذلك استعمال لفظ لا تنقض اليقين بالشكّ في معنيين فإنّه لم يقصد به في شيء من موارده إلاّ الإلزام بالمعاملة مع المتيقّن السّابق معاملة بقائه حتّى يعلم بارتفاعه حيث إنّ الإلزام بإبقاء نفسه غير معقول مطلقا سواء كان حكما شرعيّا أم موضوعا خارجيّا و إنما المعقول هو الإلزام بمعاملة البقاء و ترتيب أثر البقاء في مقام العمل فلا بدّ أن يكون ذلك الشّيء الّذي أمر الشّارع بالالتزام ببقائه من حيث العمل ممّا له دخل في الشّرعيّات بأن يكون إمّا بنفسه أمرا شرعيّا له أثر عمليّ كوجوب شيء أو حرمته أو كان له أثر عمليّ شرعيّ و إلاّ فلا معنى لإلزام الشّارع بالالتزام ببقائه كما هو واضح قوله كاستصحاب عدم الاستحاضة المثبت لكون الدّم الموجود حيضا إلخ أقول لو كان يعكس المثال لكان أولى إذ القاعدة الفرعيّة الّتي قد يدّعى كونها أصلا في باب الدّماء هي أنّ كلّ دم ليس بحيض و لا نفاس فهو استحاضة لا العكس فراجع قوله لأنّ أصالة عدم الكريّة حين الملاقاة إلخ أقول حاصله أنّه لا يحرز بهذا الأصل وقوع الملاقاة في زمان القلّة فيبقى أصالة عدم الملاقاة قبل الكريّة سليمة عن المعارض فيترتّب عليها أثرها و هو عدم انفعال الماء و لا يتوقّف ترتّب هذا الأثر على إحراز كون الملاقاة بعد الكريّة حتّى يكون الأصل بالنّسبة إليه أيضا مثبتا لأنّ عدم الانفعال من آثار عدم الملاقاة المحرز بالأصل لا من آثار كون الملاقاة بعد الكريّة ثمّ إنّ هذا كلّه على تقدير أنّ اللاّزم في الحكم بالانفعال إحراز وقوع الملاقاة في زمان القلّة و إلاّ فلو قلنا بكفاية إحراز المقتضي للتّنجيس و هو الملاقاة في الحكم بالنّجاسة ما لم يعلم وجود المانع و هو الكريّة فلا مجال لتوهّم المعارضة لأنّ استصحاب عدم المانع عن التّأثير غير محتاج إليه لكفاية الشكّ في وجوده على الفرض و أمّا استصحاب عدم الملاقاة قبل الكريّة فلا يثبت وقوعها بعدها حتّى يوجب رفع اليد عمّا يقتضيه المقتضي كما لا يخفى قوله نعم لو وقع فيه في كلّ من اليومين حكم بطهارته إلخ أقول ما ذكره قدّس سره إنّما يتمّ على القول بطهارة الماء النّجس المتمّم كرّا و إلاّ فمقتضى القاعدة نجاسة الماء و الثّوب المغسول فيه لأنّ من آثار عدم كريّته يوم الخميس نجاسته بملاقاة الثّوب النّجس و العلم بحدوث الكريّة لا ينفع في طهارة الثّوب و الماء بعد الشكّ في طهارة الكرّ الّذي لاقاه الثّوب النّجس و الحاصل أنّ من آثار عدم كريّته يوم الخميس تنجّسه بالملاقاة و بقاء نجاسته إلى زمان العلم بحصول مطهّر شرعيّ له كوقوع كرّ طاهر عليه و أمّا حصول صفة الكريّة له فلا ينفع بعد الجهل بكونها عاصمة حين حصولها ثمّ لو فرض حصول العلم بكريّة عاصمة في أحد اليومين فليس الحكم بطهارة الثّوب الواقع فيه في كلّ من اليومين من باب انغسال الثّوب بماء بين مشتبهين أي طاهرهما بنجسهما فإنّ الحكم بطهارة الثّوب في تلك المسألة معركة للآراء من أنّه هل هو لأجل استصحاب الطّهارة أو قاعدتها بل قد يقال فيها في بعض فروضها باستصحاب النّجاسة كما ستعرفه إن شاء اللّه و أمّا في المقام فطهارته معلومة بالفعل تفصيلا إذ لا شبهة في انغساله بكرّ طاهر في أحد