فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٧٧
و كذا لا يلتفت إلى التّكاليف الّتي يحتمل صدورها من مولاه معتذرا في ترك امتثالها بعدم العلم من دون التفاته أوّلا و بالذّات إلى قبح العقاب من دون بيان أو اعتماد على الظنّ ببقاء الحالة السّابقة من نفي التّكليف بل يتركها بصرف طبعه أوّلا اعتمادا على عدم ثبوته و سيجيء لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه فيما سيمرّ بك من استدلال المثبتين مطلقا ببناء العقلاء إن شاء إذا عرفت ذلك فنقول إذا احتمل المكلّف ابتداء ثبوت حكم شرعيّ و كذا إذا احتمل العبد صدور حكم من مولاه أو ثبوت شيء يترتّب عليه حكم شرعي أو مولويّ لا يجب الالتفات إليه بحكم العرف و هذا هو الّذي تسمية بالبراءة الأصليّة و قد عرفت أنّ وجه عدم الالتفات أوّلا و بالذّات بشهادة الوجدان إنما هو عدم الثّبوت و إن كان العقل أيضا مستقلاّ بقبح العقاب من دون برهان إلاّ أنّ بناء العقلاء يشهد بأنّ عدم الثّبوت في حدّ ذاته علّة لعدم الالتفات كما نشاهده في سائر أمورهم العا دية هذا هو الحال في الاستصحابات العدميّة و أمّا الاستصحابات الوجوديّة فما كان الشكّ فيه مسبّبا عن الشكّ في وجود غايته أو رافعه سواء كان الشكّ ناشئا عن أصل الوجود أو صفة الموجود فلا يلتفت إليه بل يمضي على ما يقتضيه يقينه السّابق لا للاتّكال على وجوده السّابق بل لعدم الاعتناء باحتمال وجود المزيل المستلزم للجري على ما يقتضيه يقينه السّابق و أمّا ما كان الشكّ فيه لعدم إحراز مقتضيه فلا يلتفت إلى احتمال وجوده حال الشكّ لأنّ وجوده في الزّمان الثّاني أيضا ممّا لا بدّ من إحرازه في مقام ترتيب أثره عليه فما دام لم يحرز يرتّب آثار عدمه و ليس وجوده السّابق طريقا لإحراز وجوده في زمان الشكّ و ربّما يؤيّد ما ادّعيناه من بناء العقلاء أمور لا يخفى على المتأمّل منها ما تقدّم سابقا من تصريح بعضهم بابتناء الخلاف في الاستصحاب على أنّ العلّة المبقية هي المحدثة أم لا فإنّك إن تأمّلت فيه تجده شاهد صدق على ما ادّعيناه و قد تقدّمت الإشارة إليه فيما تقدّم و منها ما يظهر من بعضهم من عدم الخلاف فيما عدا الشكّ في المقتضي و منها ما يظهر من بعض آخر من عدم الخلاف في الاستصحابات العدميّة و منها الإجماع على اعتبار أصالة عدم القرينة و غيرها في مباحث الألفاظ و أمّا بعض الاستصحابات الوجوديّة مثل استصحاب الوضع الأوّل أو غيره فمرجعه إلى أصالة عدم النّقل و غيرها كما لا يخفى على المتأمّل و احتمال كون أصل العدم في مباحث الألفاظ حجّة بالخصوص مدفوع بما نشاهده من أحوال العقلاء أن اتّكالهم في عدم الاعتناء بوجود القرينة ليس على قاعدة تعبّديّة واصلة إليهم من أسلافهم و لذا يحملون الفعل و كذا إشارة الأخرس و غيرها ممّا له ظاهر على ظاهره و لا يعتنون باحتمال قرينة الخلاف ما لم تثبت هذا مع أنّ من المستبعد جدّا التزام العقلاء بقاعدة تعبّديّة في خصوص مورد بل المنشأ فيها ليس إلاّ تعبّدهم بعدم الاعتناء بالاحتمال في ترتيب آثار الوجود على المحتمل و ممّا يؤيّد المطلق بل يدلّ عليه بأتمّ دلالة الأخبار المستفيضة الآتية لأنّ تنزيلها على بيان حكم تعبّدي ينافي ظاهر التّعليل الوارد فيها لأنّ حمله على قضيّة غير معقولة من أبعد التّصرفات خصوصا في مثل هذه الأخبار الكثيرة الّتي يأبى سياق أكثرها عن التّعبد بل كيف يمكن دعوى أنّ الإمام عليه السلام أراد من هذه الأخبار المستفيضة المعمول بها عند الأصحاب معنى لم يتناوله أيدي عقول الفحول من صدر الشّريعة إلى زمان صاحب الفصول و هو أنّ هذه الأخبار الكثيرة بأسرها مسوقة لبيان وجوب ترتيب الآثار الشّرعيّة المجعولة للمستصحبات أوّلا و بالذّات لا بواسطة أمر عقليّ أو عادي كيف و لو حملناها على التعبّد المحض لما صحّ لنا دعوى ظهور قوله عليه السّلام اليقين لا ينقضه الشكّ في إرادة الجنس من لفظ اليقين و الشكّ حتّى تدلّ على حجيّة الاستصحاب لأنّ سبق ذكر اليقين و الشكّ في الأخبار المعلّلة من قرائن العهد فلا يبقى معه ظهور في إرادة الجنس و أمّا الظّهور الّذي تجده من نفسك من عدم مدخليّة خصوصيّة المورد في الحكم فليس منشؤه إلاّ ما هو المغروس في ذهنك من المناسبة بين الحكم و موضوعه و أمّا لو أغمض عن ذلك و نزل الحكم على التعبّد فليس حاله إلاّ حال ما لو علّله باليقين بأمر أجنبيّ تعبّدا في أنّه لا يتخطّى عن مورده كما لا يخفى فالإنصاف أنّه لو لم يحصل لنا الوثوق من بناء العقلاء على أنّه لا يجوز رفع اليد عن الأمر الثّابت بمجرّد احتمال ما يزيله فلا بدّ من أن يجعل هذه الأخبار المستفيضة كاشفة عن بنائهم و إمضاء لطريقتهم لما عرفت من تعذّر تنزيلها على التعبّد خصوصا بعد ملاحظة شيوع القول بحجيّة الاستصحاب في الجملة بين العامّة و الخاصّة قديما و حديثا بل عدم القول بإنكاره مطلقا حتّى في العدميّات أو ندرته فكيف يمكن في مثل هذا المورد تنزيل مثل هذه الأخبار على التعبّد المحض مع أنّ اعتماد جلّ القائلين بحجيّته بل كلّهم إلاّ من شذّ و ندر من جماعة من متأخّري المتأخّرين ليس إلاّ على بناء العقلاء و لا يضرّنا توهّم من توهّم منهم أنّ بناءهم من باب الظّن فإنّ الخطاء في تعيين المبنى لا يوهن البناء و الاتّكال إنما هو على البناء لا على ما ذكروه من المبنى و قد بيّنا أنّ البناء مبناه عدم الاعتناء باحتمال الوجود لا الاعتماد على بقاء الموجود من حيث هو لا يقال ما ذكرت ينافي ما تقدّم في تعريف الاستصحاب من أنّه بقاء ما كان لأجل أنّه كان حيث إنّ علّة الإبقاء على ما ذكرت عدم الاعتناء بوجود المزيل لا وجوده السّابق من حيث هو لأنّا نقول قد عرفت فيما سبق أنّ كون وجوده السّابق علّة للإبقاء إنما هو بنحو من الاعتبار لا أنّ وجوده السّابق حقيقة هو العلّة للحكم بالبقاء فإنّ علّة الإبقاء إمّا الظّن الحاصل من الغلبة أو التعبّد الشّرعي أو التعبّد العقلائي بعدم الاعتناء باحتمال وجود الرّافع في رفع اليد عن أثر الشّيء الّذي لو خلي و نفسه يبقى كما هو المختار و إن أبيت عن تسمية ما ادّعينا حجّيته بالاستصحاب فسمه بأصل العدم الّذي كاد يكون اعتباره لشيوع دورانه على الألسن من