فوائد الرضوية

فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٧٥

العقل المعنون بالعنوان الّذي يستقلّ العقل بحكمه لا ذات الفعل من حيث هي كما أشار إليه المصنف رحمه الله فيما أفاد من أنّ الصّدق ليس موضوعا للحرمة بعنوان كونه صدقا و إنما هو موضوع للحكم بعنوان كونه مضرّا فكذا المشتمل على الجهات المتعدّدة فالشّي‌ء المشتمل على هذه الجهات من حيث كونه كذلك هو الموضوع للحكم العقلي و يتوصّل به إلى حكم الشّارع بحرمة هذا الفعل المعنون بهذا العنوان الّذي استقل العقل بحكمه و احتمال بقاء مناط الحكم في الفعل الّذي ليس معنونا بهذا العنوان لا ينفع في إجراء الاستصحاب بل ليس استصحابا حقيقة و إنما هو إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر و أمّا الرّجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع في المستصحب و إلغاء بعض القيود الّتي يحتمل مدخليّتها فيه بحكمه إنما هو فيما إذا لم يعلم عنوان الموضوع مفصّلا و أمّا إذا علم ذلك مفصّلا فلا اعتداد بمسامحة أهل العرف بحمل الحكم على الموضوع المعرّى عن هذا العنوان بل العرف أيضا لا يسامحون بعد اطّلاعهم على أنّ الوصف الزّائل ممّا أخذ عنوانا للموضوع فتأمّل إن قلت سلّمنا أنّ عنوان الموضوع في الأحكام العقليّة ما هو مناط الحكم إلاّ أنّ لنا أن نقول في المثال السّابق مثلا قبل أن يعرض الشكّ في حكمه أنّ هذا الصّدق مضرّ و كلّ مضرّ قبيح فهذا الصّدق قبيح و كلّ قبيح حرام فينتج أنّ هذا الصّدق حرام و من المعلوم أنّ الموضوع في النّتيجة هو ذات الصّدق بعنوان كونه صدقا لا بعنوان آخر قلت هذه مغالطة صرفة لا يخفى وجهه على المتأمّل و كيف لا و إلاّ لجرى هذا القياس في جميع المصاديق المندرجة تحت المفاهيم الكلّية الّتي لها أحكام شرعيّة فنقول مثلا هذا الجسم كلب و كلّ كلب نجس فهذا الجسم نجس ثمّ نستصحب النّجاسة بعد انقلابه ملحا لأنّ الموضوع باق على هذا الفرض و هو بديهيّ الفساد ضرورة أنّ الوسط واسطة في الثّبوت فلا يجوز إلغاؤه قوله فإن قلت على القول بكون الأحكام الشّرعيّة إلخ أقول حاصل الإيراد أنّه يشكل بناء على ما ذكرت إجراء الاستصحاب في مطلق الأحكام الشّرعيّة على مذهب العدلية من كونها تابعة للمصالح و المفاسد و أنّها ألطاف في الواجبات العقليّة لأنّه بناء على هذا يتّحد موضوع الواجب العقلي و الواجب الشّرعي في جميع الواجبات كما يشهد به قاعدة التّطابق فما هو حسن واقعا موضوع للوجوب شرعا كما هو موضوع حكم العقل بلزوم ارتكابه و ما هو قبيح واقعا موضوع للحرمة شرعا كما أنّه موضوع لإلزام العقل بالتحرّز عنه و لا يختصّ هذا بالمستقلاّت العقليّة بل هو عام في مطلق الأحكام الشّرعيّة على حسب ما يقتضيه قاعدة التّطابق فالموضوع لحكم العقل و الشّرع هو الحسن و القبح الواقعيّان فكما أنّ الشكّ في بقاء الحسن أو القبح راجع إلى الشكّ في الموضوع كذلك الشكّ في بقاء الحكم الشّرعيّ راجع إلى الشكّ في بقاء موضوعه و حاصل دفع الإشكال أنّ ما ذكرت من اتّحاد مناط الحكمين و كذا موضوعهما واقعا مسلّم و لكنّه مانع عن التّفكيك بين الحكمين في إجراء الاستصحاب في أحدهما دون الآخر إذا كان مبنى الاستصحاب على الظّن إذ لا يعقل حصول الظّن ببقاء الحرمة دون القبح بعد إثبات الملازمة بينهما و أمّا لو كان بناء الاستصحاب على التّعبد فلا إذ المدار حينئذ على ما يستفاد من دليل الاستصحاب و من المعلوم أنّه لا يدلّ إلاّ على التّعبد بالحالة السّابقة في الشرعيّات و أمّا ما ذكرت من أنّ الشكّ في بقاء الحكم الشّرعي مرجعه إلى الشكّ في بقاء عنوان الموضوع الواقعي الّذي هو المناط في الحكم العقلي فهو مسلّم إلاّ أنّ قوام الاستصحاب ليس على إحراز الموضوع بهذا المعنى و إلاّ لم يعقل الشكّ في الحكم بل المناط إحراز ما هو الموضوع في ظاهر الأدلّة أو بحكم العرف و من المعلوم إمكان تغاير الموضوع في الأحكام الشّرعيّة نظرا إلى ظواهر الأدلّة مع ما هو المناط الواقعي و السّر في ذلك أنّ للشّارع أن يعبّر عن الموضوع الواقعي بعناوين أخر ملازمة لما هو الموضوع في حكم العقل أو أخصّ منه إذا لم يتعلّق غرضه إلاّ ببيان الحكم في بعض المصاديق أو بعنوان أعمّ لإمكان أن يؤدّي غرضه بذلك و الحاصل أنّه لا يجب أن يعبّر عن الموضوع في مقام التّعبير بالعنوان الّذي هو موضوع في الحكم العقلي و مناط للحكم واقعا و هذا بخلاف الحكم العقلي حيث إنّه لا طريق للعقل إلى تشخيص الموضوع إلاّ بهذا العنوان الّذي أدرك حكمه و ليس له لسان حتّى يأخذ بعض العناوين الملازمة له موضوعا لحكمه مثلا إذا حكم الشّارع بحرمة الخمر لكونه مسكرا فقد جعل عنوان الخمريّة موضوعا لحكمه مع كونه أعمّ من وجه من المناط الّذي هو عنوان للموضوع الواقعي فلو شكّ في حرمتها للشكّ في بقاء وصف الإسكار يصحّ أن يقال إنّ هذا الخمر كان حراما في السّابق و الآن شكّ في بقاء حرمتها فيستصحب و لكنّ التّغاير بين المناط و عنوان الموضوع في العقليّات غير معقول فلا يصحّ الاستصحاب فيها و لا في الشّرعيّات المستكشفة بها أمّا في العقليّات فواضح و أمّا في الشّرعيّات فلأنّه لا يستكشف الحكم الشّرعي من الحكم العقلي إلاّ للموضوع الّذي أدرك العقل حكمه كما لا يخفى قوله نعم لو علم مناط هذا الحكم و عنوانه المتعلّق عليه في حكم العقل إلخ أقول حاصل مراده على ما يشهد به التأمّل في مجموع كلامه خصوصا تعريفه الّذي سيذكره فيما بعد أنّه لو علم أنّ مناط هذا الحكم الشّرعي و عنوانه يعني موضوعه هو الشّي‌ء الّذي علق عليه الحكم في حكم العقل يعني لو علم اتّحاد الموضوع و المناط في حكم الشّرع و العقل كما في الشّرعيّات المستكشفة من حكم العقل لم يجر فيه الاستصحاب و لكنّك خبير بما في العبارة من القصور و الإجمال فإنّ ظاهرها منع جريان الاستصحاب فيما لو علم مناط حكم العقل و موضوعه تفصيلا مطلقا و هو غير مقصود بحسب الظّاهر و إلاّ لا يلتئم أجزاء العبادة بعضها مع بعض و كيف كان فالتّحقيق ما عرفت فيما تقدّم من أنّ ملاك جريان الاستصحاب بقاء موضوع الحكم الشّرعي عرفا و هذا إنما يتحقّق فيما إذا كان بين المناط و عنوان الموضوع مغايرة بالنّظر إلى ظواهر الأدلّة و حكم