فوائد الرضوية

فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٧٤

يحكمون بحجيّة العقل و يقولون أنّ العقاب بلا لطف قبيح نشأ من الغفلة عن فهم المراد فتدبّر و أمّا كونه ممّا يتوصّل به إلى الحكم الشّرعي فوجهه واضح بعد العلم بأنّ اللّه تعالى لا يأمر بالقبيح و لا ينهى عن الحسن بل يأمر بالحسن و ينهى عن القبيح على ما هو مذهب العدليّة و يقتضيه اللّطف كما تحقّق في محلّه قوله نظرا إلى أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبنيّة مفصّلة إلخ أقول أورد عليه بأنّ الإنصاف أنّه قد يستقلّ العقل بقبح عنوان أو حسنه إجمالا مع عجزه عن التّميز بين ماله المدخليّة ممّا هو عليه من الخصوصيّات في الحكم بهما و ما ليس له ذلك و هذا يظهر من مراجعة الوجدان فعلى هذا لو شكّ في الزّمان الثّاني بعد تبدّل بعض الخصوصيّات يجوز استصحاب الحكم الشّرعي الّذي استتبعه الحكم العقلي بعد البناء على المسامحة العرفيّة في إحراز الموضوع فتبدّل بعض الخصوصيّات مانع عن إجراء الاستصحاب بناء على اعتبار الرّجوع في تشخيص الموضوع إلى العقل لا إلى العرف كما أنّه مانع عن بقاء الحكم العقلي في زمان الشكّ انتهى ملخّصا و فيه أنّ مراجعة الوجدان شاهدة بخلافه فضلا عن قيام البرهان على ذلك و كيف لا مع أنّ العقليّات لا بدّ إمّا أن تكون بنفسها ضروريّة أو منتهية إليها كما صرّح به المصنّف رحمه الله فيما بعد و معنى العجز عن التّميز ليس إلاّ الجهل بالمناط الّذي يقع وسطا في إثبات الأكبر للأصغر فكيف يعقل إدراك العقل للنّتيجة و جهله بالمقدّمات و دعوى كون الحكم في مثله بديهيّا لا يحتاج إلى وسط بديهيّ الفساد بعد الاعتراف بأنّ الجهات المكتنفة بها هي المحسّنة لها أو المقبّحة إيّاها فلا بدّ من أن يعلّل بها في إثبات الحكم إن قلت إنّ ضرورة العقل قاضية بحسن الإطاعة و قبح المعصية مع أنّ ماهيّة الإطاعة و كذا المعصية مشتبهة لوقوع الكلام في أنّ الإطاعة هل هي تحصيل غرض المولى مثلا أو امتثال أمره و كذا الإشكال في وجه وجوبها و إلزام العقل بها هل هو لأجل كونها شكرا للمنعم أو لأجل التفصي عن العقاب إلى غير ذلك ممّا لا يحصى قلت تسمية هذه الأمور أحكاما عقليّة بعناوينها الإجماليّة اشتباه نشأ عن عدّ العلماء و العقلاء لها في المستقلاّت العقليّة و من المعلوم أنّها لا تكون أحكاما عقليّة إلاّ لمن أدرك حسنها و قبحها و أنت إذا ألقيت عنان التّقليد و فرضت نفسك ممّن لم يبلغه كون وجوب الإطاعة من المستقلاّت العقليّة و أردت معرفتها بنفسك فلا بدّ لك من أن تتعقّل الماهيّة الّتي تريد إثبات الحكم لها أوّلا ثمّ تمحض الجهات الم كتنفة بها المؤثّرة في حسنها و قبحها فإن أدرك العقل في شي‌ء منها حسنا ملزما أو قبحا ملزما يلزمك على فعله أو التجنّب عنه و إن لم يدرك في شي‌ء منها شيئا منهما لا يحكم بشي‌ء بل يتوقّف عن الحكم ففي الإطاعة مثلا يلتفت أوّلا إلى أنّ تحصيل غرض المولى بعد الاطّلاع عليه هل هو لازم أم لا ثمّ يلتفت إلى جهاته من أنّ فيه أداء لحقّه و هو موجب لمزيد شكره و أنّ في تركه استحقاقا للمذمّة و احتمال المضرّة إلى غير ذلك فإن أدرك في شي‌ء منها جهة ملزمة بالفعل يحكم بوجوبه من تلك الجهة و إلاّ فلا سواء سمّي هذا المعنى بالإطاعة أم لا إذ ليس المدار في حكم العقل على التّسمية ضرورة أنّه ليس في العقل لفظ و صوت حتّى يرجع في تشخيص معناه إلى غيره بل لا بدّ من أن يؤخذ موضوع حكمه بماهيّته و حقيقته من نفس العقل لا غير و إن أبيت إلاّ عن استقلال العقل في الحكم بقبح مخالفة العبد لسيّده و حسن امتثاله عند تصوّر نفس المخالفة و الامتثال من حيث هما على سبيل الإجمال من دون أن يتوقّف في ذلك على تصوّر جهاتهما تفصيلا قلت لا تتحاشى عن ذلك لكن منشؤه كون حسن إطاعة العبد لسيّده و قبح معصيته بعد أخذ الإضافة قيدا في الموضوع ذاتيّين حيث إنّ منافع العبد الّتي من أهمّها امتثال الأمر ملك لمولاه و إنما يحكم العقل بقبح المخالفة بعد إحراز استحقاق المولى لمنفعة العبد فيكون حكمه بقبح مخالفته نظير حكمه بقبح مخالفة الأجير للمستأجر و من المعلوم أنّ نفس مخالفة الأجير للمستأجر من حيث هي ظلم و عدوان فلا يحتاج العقل في مثل الفرض في حكمه إلى تصوّر شي‌ء آخر وراء ما تصوّره و هو التّفريط في حقّ الغير من دون عذر و معلوم أنّ قبح منع الحقّ عن مستحقّه ذاتي لدى العقل أ لا ترى أنّ العقل كما يستقلّ بوجوب إطاعة السيّد كذلك ربّما يستقلّ بوجوب إطاعة غيره كسلطان الجور و المكره و نحوهما فهل يعقل أن يحكم العقل بالوجوب في مثل هذه الفروض من دون أن يتّضح لديه وجهه حاشاه عن ذلك إن قلت سلّمنا أنّ العقل لا يحكم على شي‌ء إلاّ بعد إحراز جهاته مفصّلا إلاّ أنّه لا مانع من أن يكون للشّي‌ء جهات متعدّدة كلّ واحدة منها سبب لحسن الفعل في الجملة و لا يكون كلّ منها بانفراده سببا مستقلاّ لإلزام العقل بفعله إلاّ أنّ مجموعها من حيث المجموع سبب لإدراك العقل اشتماله على الجهة الملزمة فكلّ واحدة من تلك الجهات بانفراده أو بانضمامه إلى بعض الجهات الأخر قابل لأن يكون مناطا للحكم بالوجوب واقعا و إن لم يكن للعقل طريق إلى إحرازه بعد تبدّل بعض الجهات لعدم استقلاله بالحكم حينئذ كما هو المفروض فعلى هذا لو تبدّل بعض جهات الفعل يزول الحكم العقلي جزما لاستحالة بقائه حال الشكّ في المناط لاستلزامه اجتماع اليقين و الشكّ في شي‌ء واحد شخصي في زمان واحد و هو باطل و لكنّه لا يوجب ذلك القطع بزوال الحكم الشّرعي المستكشف عنه لهذا الفعل لاحتمال بقاء مناطه لأنّ الحكم الشّرعيّ إنما يتّبع المناط الواقعي لا ما هو المعلوم عند العقل كونه مناطا فيستصحب الحكم الشّرعي في زمان الشكّ إذا لم يكن الوصف الزّائد ممّا يوجب تغاير الموضوع عرفا قلت ما توهّمته اشتباه نشأ من الغفلة عن تشخيص الموضوع الّذي يستقلّ العقل بحكمه و يستكشف منه الحكم الشّرعي له و عن المسامحة في تعيين مورد المسامحة العرفيّة الّتي تلتزم بها في إجراء الاستصحاب توضيح دفعهما أنّ الموضوع في الأحكام العقليّة و كذا في الشّرعيّات المستكشفة بها ليس