فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٥٦
إلاّ بعد العلم بأنّ فيه مصلحة ملزمة سواء علم بها تفصيلا أو إجمالا و هو فيما نحن فيه متعذّر إذ لا طريق للعقل إلى إحرازها لأنّ غاية ما يستقلّ به العقل و يقتضيه قواعد العدليّة هو أنّ أمر الشّارع لا يكون إلاّ عن مصلحة في المأمور به عائدة إلى المكلّف و لو بلحاظ الأمر على الخلاف في المسألة إلاّ أنّه لم يعلم ترتّب تلك المصلحة على حصول ذات المأمور به كيف اتّفق أو توقّفها على حصوله بكيفيّة خاصّة كأن كان المكلّف جازما حين الفعل عارفا بكيفيّة الطّلب و خصوصيّاته و لا ينافي ذلك ما قوّيناه من عدم اعتبار معرفة الوجه في الإطاعة لأنّ ما قوّيناه إنما هو بالنّظر إلى القواعد الّتي بأيدينا من كيفيّة الإطاعة بحكم العقل و العقلاء و لا استحالة في أن يكون ما يترتّب عليه المصلحة كيفيّة خاصّة من الإطاعة لم تطّلع عليها و اختفي عنّا بيان الشّارع كما أنّه لا امتناع عقلا و لا عادة في أن يكون للمركّبات أجزاء أخر اختفي علينا تصوّرها أو الإذعان بجزئيّتها لفقد أدلّتها أو معارضتها بما هو أرجح منها في نظرنا أو اقتضاء الإطلاقات و العمومات نفي وجوبها و الحاصل أنّ العلم الإجمالي الّذي لا إحاطة للمكلّف بأطرافه و لا يمكنه الإتيان بجميع الأطراف لا يصلح أن يكون منجّزا للتّكليف كما عرفته مرارا فليس للعقل حكم إلزامي بوجوب إيجاد الواجبات الشّرعية بلحاظ مصلحتها الواقعيّة ما لم يعلم بتلك المصالح تفصيلا و إنما يحكم بوجوب إيجادها إطاعة لأمر الشّارع و فرارا عن المعصية الموجبة لاستحقاق العقاب كما لا يخفى هذا مع أنّ العلم إجمالا بأنّ الغرض من هذا التّكليف حصول مصلحة عائدة إلى الأمر أو المأمور مغايرة لنفس ذلك الفعل من حيث هو لا يصلح أن يكون مؤثّرا في إيجاب الاحتياط بالنّسبة إلى ما تعلّق به الغرض إلاّ إذا علم بتخلّفه عن المأمور به أحيانا و كون المكلّف قادرا على تحصيله و إتيان المأمور به على وجه يترتّب عليه تلك الغاية المقصودة و إمّا إذا احتمل كونه من قبيل الخاصيّات المترتّبة على هذا الفعل من حيث هو كما هو الغالب في الأوامر العرفيّة الّتي لا يعلم الأغراض المتعلّقة بها تفصيلا فلا إذ لا يعلم حينئذ بمغايرة الفعل الاختياري الصّالح لأن يتعلّق به التّكليف ممّا له دخل في حصول ذلك الغرض لهذا الفعل الّذي وقع في حيّز الطّلب كي يثبت بذلك تكليف مثلا إذا كلّف المولى عبده بالرّواح إلى السّوق و علم العبد بأنّ نفس الرّواح من حيث هو ليس متعلّقا لغرضه و إنما مقصوده تحصيل أمر آخر اختياري له إمّا لكونه من أفعاله الاختياريّة كشراء لحم و نحوه أو غاية مترتّبة على فعله الاختياري كوقوع رؤية زيد عليه عند مروره من عند دكّانه بارزا فحينئذ يجب على العبد عند تردّد ذلك الغرض بين أمرين أو أمور مقدورة الاحتياط و تحصيل الجزم بحصول ما تعلّق به غرض المولى لا لأجل أنّ الإطاعة عقلا و عرفا اسم للإتيان بالمأمور به على وجه تعلّق به غرض المولى فإنّا قد بيّنا في صدر الكتاب أنّ الإطاعة الّتي يستقلّ العقل بوجوبها ليس إلاّ إيجاد المأمور به بداعي الأمر لا غير و إنما على المولى أن لا يأمر العبد إلاّ بما يطابق غرضه و لكن بعد أن علم العبد بالمخالفة و أن ما تعلّق به الغرض أمر مباين لهذا الفعل كشراء اللّحم في المثال المزبور أو شيء لا يترتّب عليه إلاّ على بعض التّقادير كوقوع رؤية زيد عليه في المثال وجب عليه حينئذ تحصيل الجزم بحصول ذلك الغرض لكون علمه حينئذ طريقا عقليّا لتنجّز التّكليف به و إن لم يكن هناك خطاب سمعيّ فضلا عمّا إذا كان خطابه قاصرا عن الوفاء بمراده و لكن هذا مع العلم بالتّخلف أو المباينة و أمّا إذا احتمل كونه من قبيل الخواصّ المترتّبة على نفس المأمور به كهضم الغذاء الّذي هو من فوائد الرّواح إلى السّوق في المثال المزبور فلا أثر لعلمه الإجمالي كما هو واضح و ما نحن فيه كلّها من هذا القبيل لأنّ غاية ما اقتضته القاعدة كون التّكاليف السّمعية ناشئة عن المصالح النّفس الأمريّة لازمة التّحصيل بنظر العقل على تقدير الاطّلاع عليها فمن الجائز إن لم نقل بأنّه المتعيّن كون تلك المصالح من قبيل الخاصيّات المترتّبة على نفس هذه الأفعال الّتي تعلّق بها الطّلب السّمعي فلا يتنجّز التّكليف حينئذ إلاّ بنفس هذه الأفعال فعند تردّدها بين الأقلّ و الأكثر يتمشّى فيها الكلام المزبور من أنّ مقتضى الأصل حينئذ بالنّسبة إلى الأكثر هل هو البراءة أو قاعدة الشّغل كما لا يخفى على المتأمّل قوله نعم قد يأمر المولى بمركب إلخ أقول قد اتّضح شرحه آنفا فراجع قوله قلت أمّا أوّلا فمسألة البراءة و الاحتياط إلخ أقول ما ذكره أوّلا إشارة إلى ما نبّهنا عليه آنفا من أنّ الكلام في هذا المقام إنما هو في بيان ما يقتضيه الأصل في مقام الخروج عن عهدة التّكليف المردّد بين الأقلّ و الأكثر من البراءة و الاحتياط و أمّا أن ّ الصّلاة الّتي يشكّ في جزئية السّورة لها مثلا هل هي من جزئيّات هذه المسألة أو أنّها مقدّمة لواجب عقلي يجب تحصيله لقاعدة الملازمة فهو أجنبيّ عن ذلك إذ بعد تسليم المقدّميّة فننقل الكلام في ذلك الواجب فنقول إن علم عنوانه تفصيلا فقد وجب الإتيان بذلك المعلوم و إن تردّد بين أمور متباينة وجب الإتيان بمحتملاته و إن تردّد بين الأقلّ و الأكثر اندرج في موضوع هذه المسألة فلاحظ و تأمّل قوله و ثانيا أنّ نفس الفعل من حيث هو ليس لطفا إلخ أقول قد تبيّن شرحه مفصّلا فراجع و تأمّل فيما حرّرناه حتّى يرتفع عن ذهنك ما تراه في عبارة الكتاب من التشويش و الاضطراب قوله كما تقدّم في المتباينين حرفا بحرف أقول حاصل ما تقدّم أنّ الجهل التّفصيلي لا يصلح مانعا عن إيجاد المأمور به و لا عن توجّه الأمر و لا عن حصول الامتثال لاستلزام الأوّل امتناع التّكليف بالمجمل رأسا و الثّاني جواز المخالفة القطعيّة و قبح عقاب الجاهل المقصّر و الثّالث تعذّر الاحتياط و التّوالي بأسرها باطلة و الملازمة ظاهرة و حاصل الجواب أنا نختار في التّكليف المردّد بين الأقلّ و الأكثر الشّق الثّاني أعني كون الجهل التّفصيلي مانعا عن توجّه الخطاب و تنجّزه و لا يستلزم ذلك جواز المخالفة القطعيّة ضرورة أن الجهل