فوائد الرضوية - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ٤٥
بالتّفكيك إمّا بدعوى أنّ العقل لا يستقلّ في باب الإطاعة إلاّ بحرمة المخالفة القطعيّة دون الاحتماليّة أو بدعوى دلالة بعض الأخبار المتقدّمة عليه ببعض التّقريبات المتقدّمة و شيء منهما لا يتمشّى في المقام لأنّه إذا علم بأنّ هذا الماء نجس أو ذلك الثّوب أو الإناء الآخر الذي هو سكنجبين مثلا مغصوب يعلم إجمالا بتوجّه أحد الخطابين إليه بالنّسبة إلى ما هو مورد ابتلائه أمّا خطاب لا تغصب أو خطاب لا تستعمل النّجس فحينئذ إن بنينا على أنّ العلم الإجمالي بتوجّه أحد الخطابين المردّد بين خطاب لا تغصب و لا تستعمل النّجس موجب لتنجّز التّكليف به و عدم قبح المؤاخذة على مخالفته فلا يعقل الرّخصة في ارتكاب شيء من الطّرفين لأنّ احتمال كون ذلك الخطاب هو خطاب لا تغصب لا يقتضي إلاّ ترك ذلك الثّوب أو الإناء الّذي يحتمل غصبيّته فبالتّصرف فيه يعلم تفصيلا بمخالفة ذلك الخطاب على تقدير تحقّقه و إن كان ذلك الخطاب هو خطاب لا تستعمل النّجس فلا يحصل مخالفته إلاّ باستعمال ذلك الماء المحتمل النّجاسة فلا يعقل في مثل الفرض الرّخصة في ارتكاب بعض الأطراف و الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة إذ لا معنى للموافقة الاحتماليّة في الفرض لأنّ التّردّد إنما هو في نفس الحكم المعلوم بالإجمال و أمّا ما يحصل به مخالفته على كلّ من التّقديرين فهو معلوم بالتّفصيل و هذا بخلاف ما لو كان الخطاب معلوما بالتّفصيل و تردّد متعلّقه بين أمرين بأن علم مثلا أنّ أحد الإناءين خمر فعند تركه لكلّ من الإناءين يحتمل خروجه عن عهدة ذلك الخطاب نعم في صورة العلم الإجمالي بالخطاب المردّد أيضا قد يعقل التّفكيك كما إذا علم إجمالا بوجود خمر أو مغصوب في الإناءين من غير أن يكون احتمال الخمريّة قائما بطرف بالخصوص و الغصبيّة في طرف آخر بل احتمل في كلّ منهما كونه خمرا أو مغصوبا و علم إجمالا بوجود أحد العنوانين في ما بين الأطراف فعند تركه لكلّ من الأطراف في هذا الفرض يحتمل خروجه عن عهدة ذلك التّكليف المردّد و لكن غرض المصنّف رحمه الله بعدم جواز التّفكيك بحسب الظّاهر إنما هو فيما إذا كان كلّ من الاحتمالين قائما بطرف بالخصوص فليتأمّل قوله و أمّا حكمهم بوجوب دفع الضّرر المظنون إلخ أقول ربما يظهر من بعض كلماتهم أنّ مظنون الضّرر كمقطوعه في حدّ ذاته موضوع للحرمة فالظّن بالضّرر أخذ موضوعا للحرمة فعلى هذا ينحسم مادّة النّقض من أصله و أمّا بناء على كونه طريقا محضا فالحكم باستحقاق العقاب على مخالفته على تقدير عدم المصادفة مبنيّ على القول مترتّب العقاب على مخالفة الأحكام الظّاهريّة من حيث هي كما هو أحد الأقوال في المسألة بل لعلّه أشهرها و لكنّه ليس بمرضي لدى المصنف قدّس سره كما يصرّح به في آخر المبحث فكأنّ غرضه في المقام توجيه حكمهم بالاستحقاق و بيان مقايسة ما نحن فيه على تلك المسألة لا الحكم بصحّته هذا الحكم كي يتوجّه عليه الاعتراض بمخالفته لمذهبه من عدم استحقاق العقاب على مخالفة الطّريق عند عدم الإصابة إلاّ من حيث التّجري على القول به فليتأمّل قوله و كذا لو كان ارتكاب الواحد المعيّن ممكنا عقلا إلخ أقول ستعرف أنّ كون المنهيّ عنه محلّ ابتلاء المكلّف بالفعل ليس من شرائط التّكليف بل هو كإرادة الفعل من مقدّمات حصوله و لكن خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء موجب لخروجه عن مجاري الأصول فيبقى الأصل الجاري في الطّرف الآخر من حيث هو سليما عن المعارض قوله و الأقوى الجواز أقول قد تقرّر في محلّه قوّة ما قواه من أنّ التّقييد و التّخصيص إذا كانا بقرينة منفصلة يقتصر فيهما على القدر المتيقّن فيرجع في موارد الشكّ إلى أصالة الإطلاق أو العموم مطلقا إن كان المقيّد و المخصّص دليلا لبّيّا من إجماع أو عقل و نحوه كما فيما نحن فيه و إن كان لفظيّا فكذلك أيضا إذا كان اللّفظ مجملا مرددا بين الأقلّ و الأكثر و لكن بالنّسبة إلى الموارد الّتي نشأ الشكّ فيها من إجمال المفهوم كما لو أخذ عنوان الابتلاء قيدا مأخوذا من دليل سمعي و تردّد مفهومه بين ما لم يكن أجنبيّا عن المكلّف بالمرّة أو كان بالفعل مورد حاجته فحينئذ يرجع في موارد الشكّ إلى حكم المطلق و أمّا إذا كان الشكّ ناشئا من اشتباه الأمور الخارجيّة بأن تردّد الثّوب الخاص مثلا بين كونه ثوبه الّذي بالفعل مورد حاجته و بين ثوب شخص آخر أجنبيّ عنه فلا بل يرجع إلى الأصول العمليّة الجارية في المقام و لا يخفى عليك أنّ سوق عبارة المصنف رحمه الله يشعر بأنّه جعل المقام من قبيل التّقييد بالمجمل كما يؤيّد ذلك تنظيره بسائر المفاهيم العرفيّة الّتي يتعذّر ضبط مفهومها فعلى هذا يتّجه التّفصيل بين الشبهات المفهومية و المصداقية و لكن ما نحن فيه ليس كذلك إذ الحاكم بخروج غير المبتلى عن تحت أدلّة التّكاليف هو العقل و العرف الّذين لا يدور حكمها مدار صدق مفهوم مجمل بل يتعلّق حكمها بنفس المصاديق من حيث هي كما تبيّن في محلّه فيكون المتّجه حينئذ الرّجوع إلى أصالة الإطلاق في جميع موارد الشكّ من غير فرق بين الشّبهات المفهوميّة و المصداقيّة هذا كلّه على تقدير تسليم كون إطلاقات ما دلّ على الاجتناب عن المحرّمات بحكم العقل و العرف مقيّدة بصورة الابتلاء و هو محلّ نظر بل منع كما تقدّمت الإشارة إليه آنفا إذ ليس المقصود بتحريم شيء على المكلّف إلاّ منعه عن ارتكابه بحيث لو أراد أن يرتكبه لم يجز له ذلك فمعنى قول الشّارع حرّم عليكم الميتة و الخمر و لحم الخنزير أنّه لزم عليكم الاجتناب عن هذه الأمور فليس للمكلّف أن يبلي نفسه بشرب الخمر مثلا بحيث لو علم أنّه لو جعله من موارد ابتلائه يضطرّ إلى شربه بإكراه و نحوه وجب عليه أن لا يجعله كذلك لا أنّ حرمته عليه مشروطة بكونه في مورد ابتلائه كي يلزمه جواز جعله من مورد الابتلاء في الفرض المزبور ضرورة أنّه لو كان الابتلاء شرطا في التّحريم امتنع أن يكون التحريم سببا لحرمة نفس الابتلاء و أمّا ما تراه من استهجان توجيه التّكليف بالاجتناب عنه إلى غير المبتلى فهو ليس إلاّ كقبح توجيه هذا التّكليف إلى من لا داعي له إلى شربه بمقتضى طبعه و كقبح توجيه الأمر بفعل شيء مثل الإنفاق على أولاده